تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإشارة : أن البر هو الأجسام والبحر هو الأرواح فالأرواح وإن كانت نورانية بالنسبة إلى الأجسام لكن بالنسبة إلى الحق ونور ألوهيته ظلمانية ، كما قال عليه السلام : "إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره" فمعناه إذا خلقتكم في ظلمة الخلقية فمن ينجيكم من ظلمات بر البشرية وظلمات بحر الروحانية إذ تدعونه تضرعا ، أي : بالجسم وخفية أي بالروح.

﴿لئن أنجانا من هاذه لنكونن من الشاكرين * قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون﴾ حين تجلى لكم نور من أنوار صفاته فبعضكم يشرك ويقول أنا الحق وبعضكم يقول سبحاني ما أعظم شأني ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم﴾ حين تقولون أنا الحق وسبحاني.

﴿عذابا من فوقكم﴾ بأن يرخي حجابا بينه وبينكم يعذبكم به عزة وغيرة.

﴿أو من تحت أرجلكم﴾ أي : حجابا من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم.

﴿أو يلبسكم شيعا﴾ يجعل الخلق فيكم فرقا فرقة يقولون هم الصديقون وفرقة يقولون هم الزنادقة.

﴿ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ بالقتل والصلب وقطع الأعراق كما فعل بابن منصور.

قالوا : وكان قد جرى من الحلاج قدس سره كلام في مجلس حامد بن عباس وزير المقتدر بحضرة القاضي أبي عمر فأفتى بحل دمه وكتب خطه بذلك ، وكتب معه من حضر المجلس من الفقهاء ، وقال له الحلاج : ظهري حمى ودمي حرام وما يحل لكم أن تتأولوا علي

48

بما يبيحه وإنما اعتقادي الإسلام ومذهبي السنة وتفضيل الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين وبقية العشرة من الصحابة رضي الله عنهم ولي كتب في السنة موجودة في الوراقين فالله الله في دمي ولم يزل يردد هذا القول وهم يكتبون خطوطهم إلى أن استكملوا ما احتاجوا إليه وانفضوا من المجلس وحمل الحلاج إلى السجن وكتب الوزير إلى المقتدر يخبره بما جرى في المجلس ، فعاد جواب المقتدر بأن القضاة إذا كانوا قد أفتوا بقتله فليسلم إلى صاحب الشرطة وليتقدم بضربه ألف سوط فإن مات ، وإلا فيضرب ألف سوط آخر ، ثم ليضرب عنقه فسلمه الوزير إلى الشرطي ، وقال له : ما رسم به المقتدر وقال أيضا إن لم يتلف بالضرب يقطع يده ثم رجله ثم يحز رأسه وتحرق جثته وإن خدعك وقال لك : أنا أجري لك الفرات ودجلة ذهبا وفضة فلا تقبل منه ذلك ولا ترفع العقوبة عنه فتسلمه الشرطي ليلا ، وأصبح يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة من سنة تسع وثلاثمائة ، فأخرجه إلى باب الطاق وهو يتبختر في قيوده واجتمع من العامة خلق لا يحصى عددهم وضربه الجلاد ألف سوط ، ولم يتأوه ولما فرغ من ضربه قطع أطرافه الأربعة ثم حز رأسه ثم أحرقت جثته ولما صار رمادا ألقاه في دجلة ونصب الرأس ببغداد على الجسر وادعى بعض أصحابه أنه لم يقتل ولكن ألقي شبهه على عدو من أعداء الله تعالى كما وقع في حق عيسى عليه السلام والأولياء ورثة للأنبياء.

جزء : 3 رقم الصفحة : 46

يقول الفقير : لهذا التشبيه والتخييل نظائر في حكايات المشايخ يجدها من تتبع ومرادي بيان جوازه لا اعتقاد أنه كان كذلك.

فإن قلت من حق ولاية الحلاج أن لا يحترق ولا يكون رمادا؟

قلت : ذلك غير لازم فإن الأجساد مشتركة في قبول العوارض والآفات ألا ترى إلى حال أيوب ويحيى وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام وقد ذكر أهل التفسير في أصحاب الرس أنهم قتلوا الأنبياء المبعوثين إليهم وأكلوا لحومهم تمردا وعنادا ورسوا بئرهم بعظامهم نعم قد يكون في هذه النشأة أمور خارجة عن العادة خارقة كأحوال بعض الأنبياء والأولياء الذين قتلوا مثلا ثم أحياهم الله تعالى وأما في القبر فقد ثبت أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ومن يليهم.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٣٨