تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿قل﴾ لهم ﴿الله ينجيكم منها ومن كل كرب﴾ أي : غم سواها والكرب غاية الغم الذي يأخذ بالنفس ﴿ثم أنتم﴾ بعد ما تشاهدون من هذه النعم الجليلة ﴿تشركون﴾ بعبادته تعالى غيره ، والمناسب لقولهم ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ أن يقال : ثم أنتم لا تشكرون ، أي : لا تعبدون لكن وضع تشركون موضعه تنبيها على أن الإشراك بمنزلة ترك الشكر رأسا.

﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا﴾ لأجل إشراككم ﴿من فوقكم﴾ أي : عذابا كائنا من جهة الفوق كما فعل بقوم نوح عليه السلام بحيث أهلكهم بأن أرسل عليهم الطوفان والصاعقة والريح والصيحة وأهلك قوم لوط وأصحاب الفيل بأن أمطر عليهم حجارة.

﴿أو من تحت أرجلكم﴾ أي : من جهة السفل كما أغرق فرعون وخسف بقارون.

وقيل من فوقكم ملوككم وأكابركم ورؤساؤكم ومن تحت أرجلكم عبيدكم السوء وسفلتكم وسفهاؤكم وكلمة أو لمنع الخلو دون الجمع فلا منع لما كان من الجهتين معا كما فعل بقوم نوح ﴿أو يلبسكم﴾ من لبست عليه الأمر أي خلطته من باب ضرب وأما لبست الثوب فمن باب علم ومصدر الأول اللبس بالفتح والثاني بالضم والمعنى أو يخطلكم ﴿شيعا﴾ منصوب على أنه حال من مفعول يلبسكم هو جمع شيعة كسدرة وسدر.

والشيعة كل قوم اجتمعوا على أمر أي يخلطكم حال كونكم فرقا متجزئين على أهواء شتى ومذاهب مختلفة كل فرقة مشايعة لإمام فينشب بينكم القتال أي يهيج ويظهر فهذا الخلط هو خلط اضطراب لا خلط اتفاق.

﴿ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ يقاتل بعضكم بعضا ومن سنة الله تعالى أن يذيق الكافرين بأس المؤمنين وبالعكس وأن يذيق بعض الكافرين بأس بعض وبعض المؤمنين بأس بعضهم كما هو في أكثر الأزمان والأعصار عل حسب التربية المبنية على جماله وجلاله تعالى وفي الحديث : "سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها فسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها" أراد بالسنة قحطا يعم أمته وبالغرق بفتح الراء ما يكون على سبيل العموم كطوفان نوح عليه السلام.

جزء : 3 رقم الصفحة : 46

قال حضرة الشيخ الشهير بأفتاده أفندي البروسوي : تأثير طوفان نوح عليه السلام يظهر في كل ثلاثين سنة مرة واحدة لكن على الخفة فيقع مطر

47

كثير ويغرق بعض القرى والبيوت من السيل اه.

كلامه وأراد عليه السلام بالبأس الحرب والفتن وفي الحديث : "فناء أمتي بالطعن والطاعون" وفي آخر : "إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع منها إلى يوم القيامة" وفيه معجزة للنبي عليه السلام حيث كان الأمر كما أخبره.

والبأس الشدة في الحرب ، وسبب دخول البأس عدم حكم الأئمة بكتاب الله تعالى وسبب تسلط العدو نقض عهد الله وعهد رسوله كما جاء في بعض الأحاديث.

﴿أنظر﴾ يا محمد ﴿كيف نصرف﴾ لهم ﴿الايات﴾ القرآنية من حال إلى حال بالوعد والوعيد أي نبين لهم آية على أثر آية ونوردها على وجوه مختلفة من أول السورة إلى هنا.

﴿لعلهم يفقهون﴾ كي يفقهوا ويقفوا على جلية الأمر فيرجعوا عما هم عليه من المكابرة والعناد.

﴿وكذب به﴾ أي بالعذاب الموعود أو القرآن المجيد الناطق بمجيئه.

﴿قومك﴾ أي : المعاندون منهم ﴿وهو الحق﴾ أي والحال إن ذلك العذاب واقع لا محالة أو إنه الكتاب الصادق في كل ما نطق.

﴿قل﴾ لهم ﴿لست عليكم بوكيل﴾ بحفيظ وكل إلى أمركم لأمنعكم من التكذيب وأجبركم على التصديق إنما أنا منذر وقد خرجت من العهدة حيث أخبرتكم بما سترونه.

﴿لكل نبإ﴾ أي : خبر من أخبار القرآن ﴿مستقر﴾ اسم زمان أي : وقت يقع فيه ويستقر زمن عذابكم.

﴿وسوف تعلمون﴾ عند وقوعه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.

فعلى العاقل أن يتضرع إلى الله تعالى في دفع الشدائد ولا يصر على ذنبه فإنه سبب للابتلاء وكل ظلمة إنما تجيء من ظلمات النفس الأمارة ، كما قال في "المثنوي" :

هر ه برتو آيد از ظلمات غم

آن زبى شرمى وكستاخيست هم

قال الصائب :

رازغير شكايت كنم كه همو حباب

هميشه خانه خراب هواي خويشتنم

جزء : 3 رقم الصفحة : 46

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٣٧