تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال مجاهد : قد جعلت الأرض لملك الموت كالطشت يتناول من حيث يشاء.

يقول الفقير : ليس على ملك الموت صعوبة في قبض الأرواح وإن كثرت وكانت في أمكنة مختلفة وكيفية لا تعرف بهذا العقل الجزئي كما لا تعرف كيفية وسوسة الشيطان في قلوب

45

جميع أهل الدنيا روي في الخبر أن رسول الله دخل على مريض يعوده فرأى ملك الموت عند رأسه فقال : "يا ملك الموت ارفق به فإنه مؤمن ، فقال ملك الموت : يا محمد أبشر وطب نفسا وقر عينا فإني بكل مؤمن رفيق إني لأقبض روح المؤمن فيصرخ أهله فأعتزل في جانب الدار فأقول ما لي من ذنب وإني مأمور وإن لي لعودة فالحذر الحذر وما من أهل بيت مدر ولا وبر في بر وبحر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات ، حتى إني لأعلم بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم والله لو أردت أن أقبض روح بعوضة لما قدرت عليها حتى يأمرني الله تعالى بقبضها".

جزء : 3 رقم الصفحة : 44

قال العلماء : الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار ولما خلق الله الموت على صورة كبش أملح قال له اذهب إلى صفوف الملائكة على هيئتك هذه فلم يبق ملك إلا غشي عليه ألف عام ثم أفاقوا فقالوا يا ربنا ما هذا قال الموت قالوا لمن ذلك قال على كل نفس قالوا لم خلقت الدنيا قال ليسكنها بنو آدم قالوا لم خلقت النساء؟ قال : ليكون النسل ، قالوا : من يسلط عليه هذا هل يشتغل بالنساء والدنيا قال إن طول الأمل ينسيهم الموت حتى يكون منهم أخذ الدنيا وشهوة النساء ولذلك قيل الموت من أعظم المصائب وأعظم منه الغفلة عنه.

﴿ثم ردوا﴾ عطف على توفته والضمير للكل المدلول عليه بأحدكم ، أي : ردوهم الملائكة بعد البعث ﴿إلى الله﴾ أي : إلى حكمه وجزائه في موقف الحساب فالرد إلى الله ليس على ظاهره لكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة بل هو عبارة عن جعلهم منقادين لحكم الله تعالى مطيعين لقضائه بأن يساقوا إلى حيث لا مالك ولا حاكم فيه سواه.

أي : مالكهم الذي يملك أمورهم على الإطلاق ، وأما قوله تعالى : ﴿وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ فالمولى فيه بمعنى الناصر فلا تناقض وهو بدل من الجلالة ﴿الحق﴾ الذي لا يقضي إلا بالعدل وهو صفة للمولى.

﴿إلا﴾ أي : اعلموا وتنبهوا ﴿له الحكم﴾ أي القضاء بين العباد يومئذ لا حكم لغيره فيه بوجه من الوجوه.

﴿وهو أسرع الحاسبين﴾ يحاسب جميع الخلائق في أسرع زمان وأقصره ، لا يشغله حساب عن حساب ، ولا شأن عن شأن لا يتكلم بآلة ، ولا يحتاج إلى فكرة ورؤية وعقد يد ومعنى المحاسبة تعريف كل واحد ما يستحقه من ثواب وعقاب.

قال بعض العلماء : المحاسبة لتقدير الأعمال والوزن لإظهار مقاديرها فيقدم الحساب على الميزان ولهذا لا ميزان لمن يدخل الجنة بلا حساب.

واعلم : أن الحشر والحساب لا يكون على وجه الأرض وإنما يكون في الأرض المبدلة وهي أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم ولم يظلم عليها أحد فإذا ثبت الحشر والحساب ، وأن الله تعالى هو المحاسب وجب على العاقل أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش في الحساب لأنه هو التاجر في طريق الآخرة وبضاعته عمره وربحه صرف عمره في الطاعات والعبادات ، وخسرانه صرفه في المعاصي والسيئات ونفسه شريكه في هذه التجارة ، وهي وإن كانت تصلح للخير والشر لكنها أميل وأقبل إلى المعاصي والشهوات فلا بد له من مراقبتها ومحاسبتها.

قال السعدي قدس سره :

توغافل دارانديشه سود ومال

كه سرمايه عمر شد بايمال

جزء : 3 رقم الصفحة : 44

﴿قل﴾ يا محمد لأهل مكة.

﴿من﴾ استهفام ﴿ينجيكم﴾ أي : يخلصكم ويعطي لكم نجاة

46

﴿من ظلمات البر والبحر﴾ من شدائدهما وأهوالهما في أسفاركم استعيرت الظلمة للمشقة لمشاركتهما في الهول وإبطال الإبصار فقيل لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب ، أي : اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته بناء على أن الليل إذا لم يستنر بنور القمر ظهرت الكواكب صغارها وكبارها وكلما اشتدت ظلمته اشتد ظهور الكواكب.

﴿تدعونه تضرعا وخفية﴾ أي : معلنين ومسرين على أن يكون تضرعا وخفية مصدرين في موضع الحال من فاعل تدعونه وتدعون حال من فاعل ينجيكم أي داعين إياه تعالى والتضرع إظهار الضراعة وهي شدة الفقر والحاجة إلى الشيء.

﴿لئن أنجانا﴾ حال من فاعل تدعون أيضا على إرادة القول أي تدعونه قائلين والله لئن خلصنا.

﴿من هاذه﴾ الظلمات والشدائد ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ أي : الراسخين في الشكر المداومين عليه لأجل هذه النعمة.

والشكر الاعتراف بالنعمة مع القيام بحقها وحق نعمة الله أن يطاع منعمها ولا يعصى فضلا عن أن يشرك به ما لا يقدر على شيء أصلا.

جزء : 3 رقم الصفحة : 46

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٣٦