﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ أي : ما كسبتم فيه وجوارح الإنسان أعضاؤه التي يكسب بها الأعمال خص الليل بالنوم والنهار بالكسب جريا على العادة.
﴿ثم يبعثكم فيه﴾ أي : يوقظكم في النهار عطف على يتوفاكم وتوسيط قوله ويعلم بينهما لبيان ما في بعثهم من عظيم الإحسان إليهم بالتنبيه على أنه بعد علم ما يكتسبونه من السيئات مع كونها موجبة لإبقائهم على التوفي بل لإهلاكهم بالمرة يفيض عليهم الحياة ويمهلهم كما ينبىء عنه كلمة التراخي كأنه قيل هو الذي يتوفاكم في جنس الليل ثم يبعثكم في جنس النهار مع علمه بما ستجرحون فيه.
﴿ليقضى أجل مسمى﴾ أي : ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا وقضاء الأجل فصل الأمر على سبيل التمام فمعنى قضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت والأجل آخر مدة الحياة.
﴿ثم إليه مرجعكم﴾ أي : رجوعكم بالموت لا إلى غيره أصلا.
﴿ثم ينبئكم بما كنتم تعملون﴾ بالمجازاة بأعمالكم التي كنتم تعملونها في تلك الليالي والأيام.
جزء : 3 رقم الصفحة : 44
﴿وهو القاهر﴾ مستعليا ﴿فوق عباده﴾ أي : المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة إلى غير ذلك ، ويجوز أن يكون فوق خبرا بعد خبر وليس معنى فوق معنى المكان لاستحالة إضافة الأماكن إلى الله تعالى وإنما معناه الغلبة والقدرة ونظيره فلان فوق فلان في العلم أي أعلم منه.
وفي "المثنوي" :
دست شد بالاى دست اين تاكجا
تابيزدان كه اليه المنتهى
كان يكى درياست بي غور وكران
جمله درياها وسيلى يش لآن
حيلها وارها كرا هاست
يش إلا الله آنها جمله لاست
﴿ويرسل عليكم حفظة﴾ عطف على الجملة الاسمية قبلها أي يرسل عليكم خاصة أيها المكلفون ملائكة تحفظ أعمالكم وهم الكرام الكاتبون والحكمة فيه أن المكلف إذا علم أن
44
أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد كان أزجر عن المعاصي وأن العبد إذا وثق بلطف سيده واعتمد على عفوه وستره لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين عليه.
قال الكاشفي :
نه انديشى ازان روزيكه دروى
كرها خون ودلها ريش بيني
دهندت نامه أعمال وكويند
بخوان تاكردهاى خويش بيني
مكن ورميكني باري دران كوش
كه اندر نامه نيكي يش بيني
ورد في الخبر "أن على كل واحد منا ملكين بالليل وملكين بالنهار يكتب أحدهما الحسنات والآخر السيئات وصاحب اليمين أمير على صاحب الشمال ، فإذا عمل العبد حسنة كتبت له بعشر أمثالها وإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتب قال له صاحب اليمين أمسك فيمسك عنه ست ساعات أو سبع ساعات فإن هو استغفر الله لم يكتب عليه وإن لم يستغفر كتب سيئة واحدة".
فإن قلت : هل تعرف هؤلاء الملائكة العزم الباطن كما يعرفون الفعل الظاهر.
قلت : نعم لأن الحفظة تنتسخ من السفرة وهي من الخزنة التي وكلت باللوح وقد كتب فيه أحوال العوالم وأهاليها من السرائر والظواهر فبعد وقوفهم على ذلك يكتبون ثانيا من أول اليوم إلى آخره ومن أول الليل إلى آخره حسبما يصدر عن الإنسان.
وقيل : إذا هم العبد بحسنة فاح من فيه رائحة المسك فيعلمون بهذه العلامة فيكتبونها وإذا هم بسيئة فاح منه ريح النتن.
فإن قلت والملائكة التي ترفع عمل العبد في اليوم أهم الذين يأتون غدا أم غيرهم.
قلت قال بعض العلماء الظاهر أنهم هم وأن ملكي الإنسان لا يتغيران عليه ما دام حيا.
جزء : 3 رقم الصفحة : 44
وقال بعض المشايخ : من جاء أنهم لا يرجع أبدا مرة أخرى ويجيء آخرون مكانهم إلى نفاد العمر واختلف في موضع جلوس الملكين وفي الخبر النبوي : "نقوا أفواهكم بالخلال فإنها مجلس الملكين الكريمين الحافظين ، وإن مدداهما الريق وقلمهما اللسان ، وليس عليهما شيء أمر من بقايا الطعام بين الأسنان" ولا يبعد أن يوكل بالعبد ملائكة سوى هذين الملكين كل منهم يحفظه من أذى كما جاء في الروايات.
﴿حتى إذا جآء أحدكم الموت﴾ حتى هي التي يبتدأ بها الكلام وهي مع ذلك تجعل ما بعدها من الجملة الشرطية غاية لما قبلها كأنه قيل ويرسل عليكم حفظة يحفظون أعمالكم مدة حياتكم حتى إذا انتهت مدة أحدكم كائنا من كان وجاءه أسباب الموت ومباديه.
﴿توفته رسلنا﴾ الآخرون المفوض إليهم ذلك وهم ملك الموت وأعوانه وانتهى هناك حفظ الحفظة ﴿وهم﴾ أي : الرسل.
﴿لا يفرطون﴾ أي : لا يقصرون فيما يؤمرون بالتواني والتأخير طرفة عين.
واعلم : أن القابض لأرواح جميع الخلق هو الله تعالى حقيقة ، وأن ملك الموت وأعوانه وسائط ولذلك أضيف التوفي إليهم وقد يكون التوفي بدون وساطتهم كما نقل في وفاة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وغيرها ، وأعوان ملك الموت أربعة عشر ملكا : سبعة منها ملائكة الرحمة وإليهم يسلم روح المؤمن بعد القبض ، وسبعة منهم ملائكة العذاب وإليهم يسلم روح الكافر بعد الوفاة.