تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول الفقير : إن الملائكة ليست من أهل الترقي والتنزل فقصر الفائدة على ذلك مما لا معنى له بل نقول إن اللوح قلب هذا التعين كقلب الإنسان قد انتقش فيه ما كان وما سيكون وهو من مراتب التنزلات فقد ضبط الله فيه جميع المقدورات الكونية لفوائد ترجع إلى العباد يعرفها العلماء بالله.

قال الحافظ :

معرفت نيست درين قوم خدايا سببي

تابرم كوهر خودرا بخريدار ديكر

والإشارة في الآية إن الله تعالى جعل لكل شيء من المكونات شهادة تناسب ذلك الشيء وغيبا مناسبا له وجعل لغيب كل مفتاحا يفتح به باب غيب ذلك الشيء وشهادته فينفعل ذلك الشيء كما أراده الله في الأزل وقدره.

﴿وعنده مفاتح﴾ ذلك ﴿الغيب لا يعلمهآ إلا هو﴾ لأنه لا خالق إلا هو ليس لنبي ولا لولي مدخل في علم هذه المفاتح ولا في استعمالها لأنه مختص بالخالق فقط ، وسأضرب لك مثلا تدرك به هذه الحقيقة وذلك مثل نقاش للصورة فإن لكل صورة مما ينقشه شهادة هي هيئتها وغيبا هو علم التصوير ، ومفتاحا يفتح به باب علم التصوير على هيئة الصورة لتنفعل الصورة كما هي ثابتة في ذهن النقاش هو القلم والقلم بيد النقاش لا مدخل لتصرف غيره فيه ، فالله تعالى هو النقاش المصور والصور هي المكونات المختلفة الغيبية والشهادية وشهادة كل صورة منها خلقتها وتكوينها وقلم تصويرها الذي هو مفتاح يفتح به باب علم تكوينها على صورتها وكونها هو الملكوت فبقلم ملكوت كل شيء يكون كون كل شيء وقلم الملكوت بيد الله تعالى كما قال : ﴿فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء وإليه ترجعون﴾ (يس : 83) وكما أن الأشياء مختلفة فالملكوتيات مختلفات وملكوت كل شيء من الجمال والنبات والحيوان والإنسان والملك مناسب لصورته ولهذا جمع المفاتح ووحد الغيب.

وقال : ﴿وعنده مفاتح الغيب﴾ لأن الغيب هو علم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة كما في أقلام المصور فافهم جدا.

بعلم التكوين

جزء : 3 رقم الصفحة : 38

﴿ويعلم ما فى البر والبحر﴾ لأن به كون البر وهو عالم الشهادة والصورة والبحر وهو عالم الغيب والملكوت يدل على هذا المعنى قوله لا عالم الغيب والشهادة بهذا العلم ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾ لأنه مكونها ومثبتها ومسقطها ﴿ولا حبة فى ظلمات الأرض﴾ أي : حبة الروح في ظلمات

43

صفات أرض النفس وأيضا ولا حبة في ظلمات الأرض أي : أرض القلب وظلمات صفات البشرية إلا وهو ركبها ويعلم كمالها ونقصانها ﴿ولا رطب ولا يابس﴾ الرطب هو الموجود في الحال واليابس هو المعدوم في الحال وسيكون موجودا.

وأيضا الرطب الروحانيات واليابس الجماديات وأيضا الرطب المؤمن واليابس الكافر.

وأيضا الرطب العالم واليابس الجاهل.

وأيضا الرطب العارف واليابس الزاهد.

وأيضا الرطب أهل المحبة واليابس أهل السلوة.

وأيضا الرطب صاحب الشهود واليابس صاحب الوجود.

وأيضا الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنفسه.

﴿إلا فى كتاب مبين﴾ وهو أم الكتاب كذا في "التأويلات النجمية" قدس سره مؤلفها العزيز الشريف.

جزء : 3 رقم الصفحة : 38

﴿وهو الذى يتوفاكم باليل﴾ الخطاب عام للمؤمن والكافر أي ينيمكم في الليل ويجعلكم كالميت في زوال الاحساس والتمييز ومن هنا ورد "النوم أخ الموت" والتوفي في الأصل قبض الشيء بتمامه ، وعن علي رضي الله عنه : "يخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد فبذلك يرى الرؤيا فإذا انتبه من النوم عادت الروح إلى الجسد بأسرع من لحظة ، يعني : إن الذي يرى الرؤيا هو الروح الإنساني وإنه يرى في عالم البرزخ ما صدر عن الروح الحيواني من القبيح والحسن وهو ظل الروح الإنساني والتعبير بالحيواني والإنساني اصطلاح الحكماء وأما أهل السلوك فيعبرون عنها بالروح وتنزله.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٣٤