كما لا يخفى حكي أن بعض الصالحين كان يتكلم على الناس ويعظهم فمر عليه في بعض الأيام يهودي وهو يخوفهم ويقرأ قوله تعالى : ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ (مريم : 71) فقال اليهودي : إن كان هذا الكلام حقا فنحن وأنتم سواء فقال له الشيخ لا ما نحن سواء بل نحن نرد ونصدر وأنتم تردون ولا تصدرون ننجو نحن منها بالتقوى وتبقون أنتم فيها جثيا بالظلم ثم قرأ الآية الثانية ﴿ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ (مريم : 72) فقال اليهودي : نحن المتقون ، فقال له الشيخ كلا بل نحن وتلا قوله تعالى : ﴿ورحمتى وسعت كل شىءا فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكواة﴾ (الأعراف : 156) إلى قوله تعالى : ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الامى﴾ (الأعراف : 157) فقال اليهودي : هات برهانا على صدق هذا فقال له الشيخ البرهان حاضر يراه كل ناظر وهو أن تطرح ثيابي وثيابك في النار فمن سلمت ثيابه فهو الناجي منها ، ومن أحرقت ثيابه فهو الباقي فيها فنزعا ثيابهما فأخذ الشيخ ثياب اليهودي ولفها ولف عليها ثيابه ورمى الجميع في النار ثم دخل النار فأخذ الثياب ثم خرج من الجانب الآخر ثم فتحت الثياب فإذا ثياب الشيخ المسلم سالمة بيضاء قد نظفتها النار وأزالت عنها الوسخ ، وثياب اليهودي قد صارت حراقة مع أنها مستورة وثياب الشيخ المسلم ظاهرة للنار فلما رأى ذلك أسلم والحمدفهذه الحكاية مناسبة لما ذكر من الآيات إذ كفار قريش كانوا من أهل الظلم والهوى فلم ينفعهم دعواهم فصاروا إلى العذاب والمؤمنون كانوا من أهل العدل والبينة والهدى فأنتج تقواهم ووصلوا إلى جنات مفتحة لهم الأبواب ومن سلم لباسه من النار سلم وجوده بالطريق الأولى بل الثوب في الحقيقة هو الوجود الظاهري الذي استتر به الروح الباطني فلا بد من تطهيره المؤدي إلى تطهير الباطن يسره الله.
جزء : 3 رقم الصفحة : 38
﴿وعنده﴾ أي الله تعالى خاصة.
﴿مفاتح الغيب﴾ أي : خزائن غيوبه ، جمع مفتح بفتح الميم هو المخزن والكنز والإضافة من قبيل لجين الماء وهو المناسب للمقام كما في "حواشي سعدي لبي" المفتي ويجوز أن يكون جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح أي آلة الفتح فالمعنى ما يتوصل به إلى الغيب شبه الغيب بالخزائن المستوثق بها بالأقفال وأثبت لها مفاتح على سبيل التخييل ولما كان عنده تلك المفاتح كان المتوصل إلى ما في الخزائن من المغيبات هو لا غير كما في "حواشي ابن الشيخ" ﴿لا يعلمهآ إلا هو﴾ تأكيد لمضمون ما قبله.
قال في "تفسير الجلالين" : وهي الخمسة التي في قوله تعالى : ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ (لقمان : 34) الآية رواه البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما في الأرحام إلا الله ، ولا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله ، ولا يدري بأي أرض تموت النفس إلا الله ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله".
﴿ويعلم ما فى البر والبحر﴾ من الموجودات مفصلة على اختلاف أجناسها وأنواعها وتكثير أفرادها وهو بيان لتعلق علمه تعالى بالمشاهدات إثر بيان تعلقه بالمغيبات تكملة له وتنبيها عن أن الكل بالنسبة إلى علمه المحيط سواء في الجلاء ﴿وما تسقط من﴾ زائدة ﴿ورقة إلا يعلمها﴾ يريد ساقطة وثابتة ، يعني : يعلم عدد ما يسقط من ورق الشجر وما يبقى عليه وهي مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات.
﴿ولا حبة﴾ عطف على ورقة وهي بالفارسية (دانه).
﴿فى ظلمات الأرض﴾ أي : كائنة في بطونها لا يعلمها.
قال الكاشفي : (مراد تخميست كه
42
در زمين افتد).
﴿ولا رطب﴾ عطف على ورقة أيضا وهو بالفارسية (تر).
﴿ولا يابس﴾ بالفارسية (خشك) ، أي : ما يسقط من شيء من هذه الأشياء إلا يعلمه.
قال الحدادي : الرطب واليابس عبارة عن جميع الأشياء التي تكون في السموات وفي الأرض لأنها لا تخلو من إحدى هاتين الصفتين انتهى فيختصان بالجسمانيات إذ الرطوبة واليبوسة من أوصاف الجسمانيات.
﴿إلا فى كتاب مبين﴾ هو اللوح المحفوظ فهو بدل اشتمال من الاستثناء الأول أو هو علمه تعالى فهو بدل منه بدل الكل.
وقرىء ولا رطب ولا يابس بالرفع على الابتداء والخبر إلا في كتاب وهو الأنسب بالمقام لشمول الرطب واليابس حينئذ لما ليس من شأنه السقوط.
جزء : 3 رقم الصفحة : 38
قال الحدادي : فإن قيل ما الفائدة في كون ذلك في اللوح مع أن الله تعالى لا يخفى عليه شيء وإن كان عالما بذلك قبل أن يخلقه وقبل أن يكتبه لم يكتبها ليحفظها ويدرسها؟ قيل : فائدته إن الحوادث إذا حدثت موافقة للمكتوب ازدادت الملائكة بذلك علما ويقينا بعظيم صفات الله تعالى.