﴿قل إنى نهيت﴾ كان كفار قريش يدعونه عليه السلام إلى دين آبائه فنزلت أي صرفت وزجرت بما نصب لي من الأدلة وأنزل علي من الآيات في أمر التوحيد.
﴿أن أعبد الذين تدعون﴾ أي : عن عبادة ما تعبدونه.
﴿من دون الله﴾ كائنا ما كان.
﴿قل لا أتبع أهوآءكم﴾ إشارة إلى الموجب للنهي كأنهم قالوا لم نهيت عما نحن فيه ولم تمنع عن متابعتنا أجاب بأن ما أنتم عليه هوى وليس بهدى فكيف أتبع الهوى وأترك الهدى.
﴿قد ضللت إذا﴾ أي : إن اتبعت أهواءكم فقد ضللت أي تركت سبيل الحق.
﴿ومآ أنا من المهتدين﴾ من الذين سلكوا طريق الهدى عطف على ما قبله.
جزء : 3 رقم الصفحة : 38
﴿قل إنى على بينة﴾ كائنة ﴿من ربى﴾ والبينة الحجة الواضحة التي تفصل بين الحق والباطل يقال أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتا عندك بحجة واضحة وشاهد صدق والمراد بها
40
القرآن والوحي.
﴿وكذبتم به﴾ جملة مستأنفة سيقت للإخبار بذلك والضمير المجرور للتنبيه والتذكير باعتبار البيان والبرهان والمعنى إني على بينة عظيمة كائنة من ربي وكذبتم بها وبما فيها من الأخبار التي من جملتها الوعيد بمجيء العذاب.
﴿ما عندى ما تستعجلون به﴾ روي أن رؤساء قريش كانوا يستعجلون العذاب بقولهم : ﴿متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ (الملك : 25) بطريق الاستهزاء أو بطريق الإلزام حتى قام النضر بن الحارث في الحطيم وقال ﴿اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم﴾ (الأنفال : 32) والمعنى ليس ما تستعجلون به من العذاب الموعود في القرآن وتجعلون تأخره ذريعة لتكذيبي في حكمي وقدرتي حتى أجيء به وأظهر لكم صدقه أي ليس أمره بمفوض إلي.
﴿إن الحكم﴾ أي ما الحكم في ذلك وغيره تعجيلا وتأخيرا.
﴿إلا﴾ وحده من غير أن يكون لي دخل ما فيه بوجه من الوجوه.
﴿يقص الحق﴾ أي : يقول الحق ويتبعه في بيان جميع أحكامه ولايحكم إلا بما هو حق فتأخير العذاب حق ثابت جار على حكمة بليغة وأصل الحكم المنع فكأنه يمنع الباطل عن معارضة الحق أو الخصم عن التعدي على صاحبه.
﴿وهو خير الفاصلين﴾ اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله مشير إلى أن قص الحق ههنا بطريق خاص هو الفصل بين الحق والباطل ﴿قل لو أن عندى﴾ أي : في قدرتي ومكنتي.
﴿ما تستعجلون به﴾ من العذاب الذي ورد به الوعيد بأن يكون أمره مفوصا إلي من جهته عز وجل.
﴿لقضى الامر بينى وبينكم﴾ أي : بأن ينزل ذلك عليكم إثر استعجالكم بقولكم متى هذا الوعد ونظائره ، وفي بناء الفعل للمفعول من الإيذان بتعين الفاعل الذي هو الله سبحانه وتهويل الأمر ومراعاة حسن الأدب ما لا يخفى.
﴿والله أعلم بالظالمين﴾ أي : بحالهم وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج لتشديد العذاب ولذلك لم يفوض الأمر إلي فلم يقض الأمر بتعجيل العذاب فعابد الأصنام سواء أمهل أو لا يذوق العذاب ولا يتخلص منه أصلا وكذا عابد الدنيا والنفس والشيطان والهوى فإن ذلك في نار الجحيم وهذا في نار الفراق العظيم.
فعلى العاقل أن لا يتبع الهوى كما أمر الله تعالى فقال : ﴿قل لا أتبع أهوآءكم﴾ .
جزء : 3 رقم الصفحة : 38
قال بعضهم جزت مرة ببلاد السواد فرأيت شيخا جالسا في الهواء فسلمت عليه فرد السلام علي ، فقلت له : بم جلست في الهواء؟ قال خالفت الهوى فأسكنت في الهواء.
وجاء جماعة من فقهاء اليمن إلى الشيخ الكبير أبي الغيث قدس سره يمتحنونه في شيء فلما دنوا منه ، قال : مرحبا بعبيد عبدي فاستعظموا ذلك فلحقوا شيخ الطريقين وإمام الفريقين العالم العارف أبا الذبيح إسماعيل بن محمد الحضرمي ، فأخبروه بما قال الشيخ أبو الغيث لهم : فضحك الشيخ ، وقال صدق الشيخ أنتم عبيد الهوى والهوى عبده وإنما يتخلص المرء من الهوى بالتقوى.
وفي المثنوي} :
ونكه تقوى بست دو دست هوا
حق كشايد هردودست عقل را
س حواس يره محكوم توشد
ون خرد سالار ومخدوم توشد
واعلم : أن الهوى من أوصاف النفس فالآيات متعلقة بإصلاح النفس ، ومن كان على بينة من ربه ، وهي في الحقيقة النور الذي ينشرح به الصدر يكون على الهدى لا على الهوى وله علامات
41