قال أهل الإشارة : يشير بقوله ﴿منكم﴾ إلى أن عامل السوء صنفان ، صنف منكم أيها المؤمنون المهتدون ، وصنف من غيركم وهم الكفار الضالون ، والجهالة جهالتان جهالة الضلالة وهي نتيجة أخطاء النور المرشش في عالم الأرواح وجهالة الجهولية وهي التي جبل الإنسان عليها فمن عمل من الكفار سوءا بجهالة الضلالة فلا توبة له بخلاف من عمل سوءا من المؤمنين بجهالة الجهولية المركوزة فيه فإن له توبة كما قال تعالى : ﴿ثم تاب﴾ أي رجع عنه ﴿منا بعده﴾ أي : من بعد عمله.
﴿وأصلح﴾ أي : ما أفسده والإصلاح هو أن لا يعود ولا يفسد.
﴿فإنه﴾ خبر مبتدأ محذوف ، أي : فأمره إن الله تعالى ﴿غفور﴾ له ﴿رحيم﴾ به.
قال الكشافي في "تفسيره" الفارسي : (امام قشيري رحمه الله فرموده كه اكرملك برتوذلت مى نويسد ملك براى تو رحمت مى نويسد س ترادو كتابت است يكى ازلي ويكي وقى مقررست كه كتابت وقتي كتابت ازلي را باطل نمى تواندساخت مضمون اين آيت شريف شفاست بيماران بيمارستان كناه را وشفا بشرط رهيزست : يعني توبة واستغفار).
دررمندان كنه را روزوشب
شربتي بهتر زاستغفار نيست
جزء : 3 رقم الصفحة : 38
آزرومندان وصال باررا
اره غير از نالها وزارنيست
﴿وكذالك نفصل الايات﴾ الكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة وذلك إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده أي هذا التفصيل البديع نفصل الآيات القرآنية ونبينها في صفة أهل الطاعة وأهل الإجرام المصرين منهم والأوابين ليظهر الحق ويعمل به ﴿ولتستبين سبيل المجرمين﴾ أي تظهر طريقتهم فيجتنب عنها ، ورفع سبيل على أنه فاعل فإنه يذكر في لغة بني تميم ويؤنث في لغة أهل الحجاز ووجه الاستبانة والإيضاح ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيي عن بينة.
فعلى العاقل أن يسلك طريق الفوز والفلاح ويصل إلى ما وصل إليه أهل الصلاح.
وأول الطريق هو التوبة والاستغفار.
قال العلماء : تذكر أولا قبح الذنوب وشدة عقوبة الله ثم تذكر ضعفك وقلة حيلتك في ذلك فمن لا يتحمل قرص نملة وحر شمس كيف يتحمل نار جهنم ولسع حيات فينبغي أن تجتهد في الخروج من الذنوب على أقسامها التي بينك وبين عباد الله
39
بالاستحلال ورد المظالم ، وأما التي هي من ترك الواجبات من صلاة وصيام وزكاة فتقضي ما أمكن منها ، وأما التي بينك وبين الله كشرب الخمر وضرب المزامير وأكل الربا فتندم على ما مضى منها وتوطن قلبك على ترك العود إلى مثلها أبدا ، فإذا أرضيت الخصوم بما أمكن وقضيت الفوائت بما تقدر عليه وبرأت قلبك من الذنوب فينبغي أن ترجع إليه بحسن الابتهال والضراعة ليكفيك ذلك بفضله فتذهب فتغتسل وتغسل ثيابك فتصلي ركعتين كما في الحديث الصحيح : "ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له" ، وفي حديث آخر : "أيما عبد أو أمة ترك صلاته في جهالته فتاب وندم على تركها فليصل يوم الجمعة بين الظهر والعصر اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل منها الفاتحة وآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين مرة لا يحاسبه الله تعالى يوم القيامة ووجد صحيفة سيئاته حسنات" ذكره في "مختصر الإحياء".
يقول الفقير جامع هذه الفوائد : إن هذا الحديث على تقدير صحته لا ينفهم منه أن هذه الصلاة تكون قضاء لجميع ما فات منه وتقوم بدله كيف؟ وقد ذكر في أوله التوبة والندامة ومن مقتضاها قضاء ما سلف كما مر آنفا فمعنى إن الله تعالى لا يحاسبه يوم القيامة لا يقول له لم أخرت الصلاة التي فرضت عليك عن أوقاتها وذلك ببركة هذه الصلاة الشريفة التي هي تأكيد لتوبته وزيادة في اعتذاره وقد عرف في الشرع أن العبد كما يحاسب على ترك الصلوات كذلك يحاسب على تأخيرها عن أوقاتها وبهذا البيان انحل ما أشكل على بعض من مواظبة الناس على قضاء صلوات يوم وليلة في آخر جمعة من شهر رمضان بين الظهر والعصر فإن ما يصلونه هي الصلاة المذكورة عند الحقيقة لكنهم يغلطون في زعمهم وفي الكيفية والله أعلم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 38
وفي كتاب "الترغيب والترهيب" : إنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال واذنوباه واذنوباه مرتين أو ثلاثا فقال له عليه السلام "قل اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي ، ورحمتك أرجى عندي من عملي" ، فقالها ثم قال : "عد" فعاد ، ثم قال : "عد" فعاد ، ثم قال : "قم فقد غفر الله لك" ومن استغفر للمؤمنين كل يوم كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة وما الميت في قبره إلا كالغريق المنتظر ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أم أو أخ صديق فإذا ألحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها وإن الله تعالى ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال وإن هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم ، ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب فإنك مرجع كل تواب وأواب.