وفي الآية الكريمة بيان فضل الفقراء : وعن أبي سعيد الخدري قال جلست في نفر من ضعفاء المهاجرين وكان بعضهم يستتر ببعض من العري وقارىء يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فلما قام سكت القارىء فسلم رسول الله وقال : "ما كنتم تصنعون"؟ قلنا : يا رسول الله كان قارىء يقرأ علينا وكنا نستمع إلى كتاب الله تعالى فقال رسول الله : "الحمدالذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم" قال : ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ، ثم قال بيده : هكذا فتحلقوا وبرزت وجوههم له قال فما رأيت رسول الله عرف منهم أحدا غيري فقال : "أبشروا يا معاشر صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم" ، وذلك مقدار خمسمائة سنة وفي الحديث : "يؤتى بالعبد الفقير يوم القيامة فيعتذر الله عز وجل إليه كما يعتذر الرجل إلى الرجل في الدنيا ، فيقول : وعزتي وجلالي ما زويت الدنيا عنك لهوانك علي ولكن لما أعددت لك من الكرامة والفضيلة اخرج يا عبدي إلى هذه الصفوف وانظر إلى من أطعمك أو كساك وأراد بذلك وجهي فخذ بيده فهو لك والناس يومئذ قد ألجمهم العرق فيتخلل الصفوف وينظر من فعل به ذلك في الدنيا فيأخذه بيده ويدخل الجنة" قال الحافظ :
توانكرا دل درويش خود بدست آور
كه مخزن زر وكنج ودرم نخواهدماند
برين رواق زبرجد نوشته اند بزر
كه زنكوى أهل كرم نخواهدماند
وفي الحديث : "لكل شيء مفتاح ومفتاح الجنة حب المساكين والفقراء الصبر هم جلساء الله يوم القيامة" قال الشيخ العطار قدس سره :
حب دريشان كليد جنت است
دشمن ايشان سزاى لعنت است
اللهم أجعلنا من الأحباب ولا تطردنا خارج الباب.
جزء : 3 رقم الصفحة : 33
﴿وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا﴾ روي أن قوما جاؤوا إلى النبي عليه السلام ، فقالوا : إنا أصبنا ذنوبا عظاما فما تدارك الاستغفار وتدبير الاعتذار فسكت عنهم ولم يرد عليهم شيئا فانصرفوا مأيوسين فنزلت.
قال الإمام كل من آمن بالله دخل هذا التشريف ﴿فقل سلام عليكم﴾ من كل مكروه وآفة والسلام بمعنى التسليم أي الدعاء بالسلامة فمعنى سلام عليكم سلمنا عليكم سلاما أي دعوت بأن يسلمكم الله من الآفات في دينكم ونفسكم وإنما أمره بأن يبدأهم بالسلام مع أن العادة إن الجائي يسلم على القاعد حتى ينبسط إليهم بالسلام عليهم لئلا يحتشموا من الانبساط إليه هذا هو السلام في الدنيا ، وأما في الآخرة فتسلم عليهم الملائكة عند دخول الجنة كقوله : ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ والله يبتدىء بالسلام عليهم بقوله : ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ (يس : 58) وقوله : ﴿فقل سلام عليكم﴾ يشير إلى السلام الذي سلمه الله على حبيبه عليه السلام ليلة المعراج إذ قال له : "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فقال في قبول السلام : "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" والذي تاب من بعد ظلمه منتظم في سلك أهل الصلاح فمورد
38
الآية لا ينافي هذا المعنى : ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ أي : قضاها وأوجبها على ذاته المقدسة بطريق التفضل والإحسان.
جزء : 3 رقم الصفحة : 38
قال ابن الشيخ : كلمة على تفيد الإيجاب وإذا اجتمعا تأكد الإيجاب وهو لا ينافي كونه تعالى فاعلا مختارا بل هو عبارة عن تأكيد وبيان لفضله وكرمه اه.
قال في "التأويلات النجمية" : قال في حديث رباني للجنة "إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" فيرحم بجنته من شاء من عباده ويرحم بذاته من شاء من عباده ﴿أنه من عمل منكم سواءا﴾ بدل من الرحمة والتقدير كتب على نفسه أنه من عمل إلخ فإن مضمون هذه الجملة لا شك أنه رحمة والسوء بالفارسية (كاربد).
﴿بجهالة﴾ حال من فاعل عمل ، أي : عمله ملتبسا بجهالة حقيقة بأن يفعله وهو لا يعلم ما يترتب عليه من المضرة والعقوبة أو حكما بأن يفعله عالما بسوء عاقبته فإن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو في حكم الجاهل فهو حال مؤكدة لأنها مقررة لمضمون قوله : ﴿من عمل منكم سواءا﴾ لأن عمل السوء لا ينفك عن الجهالة حقيقة أو حكما.