قال المولى أبو السعود : وذكر قوله تعالى : ﴿وما من حسابك عليهم من شىء﴾ مع أن الجواب قد تم بما قبله للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه عليه السلام بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا وهو انتفاء كون حسابه عليه السلام عليهم على طريقة قوله تعالى : ﴿لا يستأخرون ساعةا ولا يستقدمون﴾ (الأعراف : 34) ﴿فتطردهم﴾ جواب النفي نحو ما تأتينا فتحدثنا بنصب فتحدث على أن يكون المعنى انتفاء التحديث لانتفاء سببه الذي هو الإتيان والآية الكريمة من هذا القبيل فإنه لو كانت مضرة حسابهم مستقرة على المخاطب لكان ذلك سببا لإبعاد من يتوهم الوهن في إيمانه فحكم بأن هذا السبب غير واقع حتى يقع مسببه الذي هو الطرد.
﴿فتكون من الظالمين﴾ جواب النهي وهو ﴿ولا تطرد الذين﴾ الآية.
﴿وكذالك فتنا﴾ ذلك إشارة إلى مصدر ما بعده من الفعل الذي هو عبارة عن تقديمه تعالى
36
لفقراء المؤمين في أمر الدين بتوفيقهم للإيمان مع ما هم عليه في أمر الدنيا من كمال سوء الحال والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة والمعنى ذلك الفتون الكامل البديع فتنا ، أي : ابتلينا.
﴿بعضهم ببعض﴾ أي : بعض الناس ببعضهم لافتون غيره حيث قدمنا الآخرين في أمر الدنيا على الأولين المتقدمين عليهم في أمر الدنيا تقدما كليا.
﴿ليقولوا﴾ اللام للعاقبة أي ليكون عاقبة أمرهم أن يقول البعض الأولون مشيرين إلى الآخرين محقرين لهم نظرا إلى ما بينهما من التفاوت الفاحش الدنيوي وتعاميا عما هو مناط التفضل حقيقة.
﴿أهاؤلاء من الله عليهم منا بيننآ﴾ بأن وفقهم لإصابة الحق ولما يسعدهم عنده تعالى من دوننا ونحن المتقدمون والرؤساء وهم العبيد والفقراء وغرضهم بذلك إنكار وقوع المن رأسا على طريقة قولهم لو كان خيرا ما سبقونا إليه لا تحقير الممنون عليهم مع الاعتراف بوقوعه بطريق الاعتراض عليه تعالى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 33
قال الكلبي : إن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد أسلم قبله ، استنكف وأنف أن يسلم وقال قد سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم.
﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ رد لقولهم ذلك وإبطال له أي أليس الله بأعلم بالشاكرين لنعمه حتى تستبعدوا إنعامه عليهم.
وفيه إشارة إلى أن أولئك الضعفاء عارفون لحق نعمة الله تعالى في تنزيل القرآن والتوفيق للإيمان شاكرون له تعالى على ذلك وتعريض بأن القائلين بمعزل من ذلك كله.
قال في "التأويلات النجمية" : ﴿وكذالك فتنا بعضهم ببعض﴾ يعني : الفاضل بالمفضول والمفضول بالفاضل فليشكر الفاضل وليصبر المفضول فإن لم يشكر الفاضل فقد تعرض لزوال الفضل وإن صبر المفضول فقد سعى في نيل الفضل والمفضول الصابر يستوي مع الفاضل الشاكر كما كان سليمان في الشكر مع أيوب في الصبر ، فإن سليمان مع كثرة صورة أعماله في العبودية كان هو وأيوب مع عجزه عن صورة أعمال العبودية متساويين في مقام نعم العبدية فقال لكل واحد منهما.
﴿نعم العبد﴾ (ص : 30) ففتنة الفاضل للمفضول رؤية فضله على المفضول وتحقيره ومنع حقه عنه في فضله وفتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخطه عليه في منع حقه من فضله عنه فإنه انقطع بالخلق أو رأى المنع والعطاء من الخلق وهو المعطي والمانع لا غير.
فعلى العاقل أن يختار ما اختاره الله ولا يريد إلا ما يريده.
قال الكاشفي في "تفسيره" الفارسي : (در كشف الأسرار آوردهكه ارادت برسه وجه است.
اول ارادت دنياي محض كما قال تعالى ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ (الأنفال : 67) ونشان آندويزاست در زيادتىء دنيا بنقصان دين راضي بودن واز درويشان ومسلمانان أعراض نمودن.
ودوم ارادت آخرة محض كما قال تعالى ﴿ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها﴾ (الإسراء : 19) وآنيزدو علامت دارد در سلامتىء دين بنقصان دنيا رضا دادن ودر مؤانست والفت بروى درويشان كشادن.
سوم ارادت حق محض كما قال ﴿يريدون وجهه﴾ ونشان آن اي برسر كونين نهادن است واز خود وخلق آزاد كشتن).
مارا خواهى خطى بعالم دركش
در بحر فنا غرقه شو ودم دركش
فهم يريدون وجهه تعالى فكل يريدون منه وهم يريدونه ولا يريدون منه كما قيل :
وكل له سؤل ودين ومذهب
جزء : 3 رقم الصفحة : 33
ووصلكمو سؤلي وديني رضاكمو
37
وتكلم الناس في الإرادة فأكثروا وتحقيقها اهتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله تعالى فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلا ولا نهارا ولا يجد من دون وصوله إليه سكوتا ولا قرارا كما في "التأويلات النجمية".