تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا أعلم الغيب فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخبر عما مضى وعما سيكون بإعلام الحق وقد قال عليه السلام ليلة المعراج : "قطرت في حلقي قطرة علمت ما كان وما سيكون" فمن قال : إن نبي الله لا يعلم الغيب فقد أخطأ فيما أصاب ولا أقول لكم إني ملك وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبرائيل تقدم فقال لو دنوت أنملة لأحرقت" كما قال السعدي قدس سره :

شبى برنشست ازفلك بركذشت

بتمكين وجاه ازملك دركذشت

حنان كرم درتيه قربت براند

كه درسدره جبريل ازوبازماند

إن أتبع إلا ما يوحى إلي ، يعني : لا أخبركم عن مقاماتي وأحوالي مما لي مع الله وقد لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا عما يوحى إلى أن أخبركم وكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه وأنا به بصير ، فلا يستوي الأعمى والبصير ، ثم قال وأنذر به ، يعني : أخبر بهذه الحقائق والمعاني الذين يخافون أي يرجون أن يحشروا إلى ربهم بجذبات العناية ويتحقق لهم ليس لهم في الوصول إلى الله من دونه ولي يعني من الأولياء ولا شفيع يعني من الأنبياء لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق لعلهم يتقون عما سوى الله بالله في طلب الوصول.

قال السري السقطي قدس سره : خرجت يوما إلى المقابر فإذا ببهلول فقلت له أي شيء تصنع هنا؟ قال أجالس قوما لا يؤذونني وإن غبت لا يغتابونني ، فقلت له : تكون جائعا فولى وأنشأ يقول :

تجوع فإن الجوع من عمل التقي

وإن طويل الجوع يوما سيشبع

قيل : مثل الصالحين وما زينهم الله به دون غيرهم مثل جند قال لهم الملك : تزينوا للعرض علي غدا فمن كانت زينته أحسن كانت منزلته عندي أرفع ، ثم يرسل الملك في السر بزينة عنده ليس عند الجند مثلها إلى خواص مملكته وأهل محبته ، فإذا تزينوا بزينة الملك فخروا سائر الجند عند العرض على الملك فهذا مثل من وفقهم الله تعالى للأعمال الصالحة والأحوال الزكية ولا حاجة لهم أن يصفوا ما عندهم إلى عامة الناس فإن علمهم بذلك كاف وسيظهر يوم العرض الأكبر وعند الكثيب الأحمر.

أولئك خدام كرام وسادة

ونحن عبيد السوء بئس عبيد ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدواة والعشى﴾ روي أن رؤساء قريش قالوا لرسول الله

35

صلى الله عليه وسلم حين رأوا في مجلسه الشريف فقراء المؤمنين مثل صهيب ، وعمار ، وخباب ، وبلال ، وسلمان وغيرهم لو طردت هؤلاء الأعبد وأرواح جبابهم ، وكان عليهم جباب صوف لا غير لجالسناك وحادثناك فقال عليه السلام : "ما أنا بطارد المؤمنين" فقالوا فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا حتى يعرف العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا مع هؤلاء فإذا قمنا عن مجلسك فأقعدهم معك إن شئت فهم عليه السلام أن يفعل ذلك طمعا في إيمانهم فأنزل الله تعالى هذه الآية يعلمه أنه لا يحب أن تفضل غنيا على فقير ولا شريفا على وضيع لأن طريقه فيما أرسل به الدين دون أحوال الدنيا.

والطرد الإبعاد وبالفارسية (مران ازمجلس خود آن درويشانراكه ميخوانند روردكار خودرا وذكراو ميكنند بامداد وشبانكاه) والمراد بذكر الوقتين الدوام ومن دام ذكره دام جلوسه مع الله كما قال : "أنا جليس من ذكرني"(2) ﴿يريدون﴾ بذكرهم وعبادتهم ﴿وجهه﴾ تعالى ورضاه لا شيئا من أغراض الدنيا.

حال من ضمير يدعون أي يدعونه تعالى مخلصين له وقيد الدعاء بالإخلاص تنبيها على أنه ملاك الأمر.

جزء : 3 رقم الصفحة : 33

عبادت بإخلاص نيت نكوست

وكرنه ه آيد زبى مغزوست

وإشعارا بأنه من أقوى موجبات الإكرام المنافي للأبعاد.

﴿ما عليك من حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شىء﴾ لما لم يقتصر المشركون في طعن فقراء المسلمين على وصفهم بكونهم موالي ومساكين بل طعنوا في إيمانهم أيضا حيث قالوا يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون عندك مأكولا وملبوسا بهذا السبب وإلا فهم عارون عن دينك والإيمان بك دفع الله تعالى ما عسى يتوهم كونه مسوغا لطردهم من أقاويلهم فقال : ﴿ما عليك﴾ أي : ليس عليك إلا اعتبار ظاهر حالهم وهو اتسامهم بسمة المتقين وإن كان لهم باطن غير مرضى كما يقوله المشركون فمضرة حساب إيمانهم لا ترجع إلا إليهم لا إليك لأن المضرة المرتبة على حساب كل نفس عائدة إليها لا إلى غيرها فالمقصود منه دفع طعن الكفار وتثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على تربية الفقراء وإدنائهم ، وضمير حسابهم ، وعليهم للذين يدعون ربهم وكلمة (من) في قوله : ﴿من شىء﴾ زائدة وهو فاعل عليك وعليهم لاعتمادها على النفي ومن حسابهم ومن حسابك صفة لشيء ثم قدمت فصارت حالا.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٢٨