الساعة أو وقت نزول العذاب أو نحوهما.
﴿ولا أقول لكم إنى ملك﴾ من الملائكة حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقة للعادات ما لا يطيق به البشر من الرقى إلى السماء ونحوه أو تعدوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحا في أمري كما ينبىء عنه قولهم ﴿مال هاذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق﴾ (الفرقان : 7).
والمعنى إني لا أدعي شيئا من هذه الأشياء الثلاثة حتى تقترحوا علي ما هو من آثارها وأحكامها وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلا على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيء مما ذكر قطعا بل إنما هي عبارة عن تلقي الوحي من جهته عز وجل والعمل بمقتضاه فحسب حسبما ينبىء عنه قوله تعالى : ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلى﴾ أي : ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي من غير أن يكون لي مدخل ما في الوحي أو في الموحى بطريق الاستدعاء أو بوجه آخر من الوجوه أصلا والوحي ثلاثة.
ما ثبت بلسان الملك والقرآن من هذا القبيل.
وما ثبت بإشارة الملك من غير أن يبينه بالكلام وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : "إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها".
والثالث : ما تبدى لقلبه أي ظهر لقلبه بلا شبهة إلهاما من الله تعالى بأن أراه الله بنور من عنده كما قال : ﴿لتحكم بين الناس بمآ أرااك الله﴾ (النساء : 105) وأبى الأشعرية وأكثر المتكلمين أن يحكم عليه السلام بالاجتهاد كما تدل عليه الآية إذ ثبت بها أنه لا يتبع إلا الوحي.
والجواب : أنه جعل اجتهاده عليه السلام وحيا باعتبار المآل فإن تقريره عليه السلام على اجتهاده يدل على أنه هو الحق كما إذا ثبت بالوحي ابتداء.
﴿قل هل يستوى الاعمى والبصير﴾ مثل للضال والمهتدي فإنه عليه السلام لما وصف نفسه بكونه متبعا للوحي الإلهي لزم منه أن يصف نفسه بالاهتداء ويصف من عانده واستبعد دعواه بالضلال فالعمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى والعمل بمقتضى الوحي يجري مجرى عمل البصير.
﴿أفلا تتفكرون﴾ أي : ألا تسمعون هذا الكلام الحق فلا تتفكرون فيه فتهتدوا باتباع الوحي والعمل بمقتضاه فمناط التوبيخ عدم الأمرين معا أي الاستماع والتفكر.
جزء : 3 رقم الصفحة : 33
﴿وأنذر به﴾ أي : خوف من العذاب بما يوحى.
﴿الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ أي : يبعثوا ويجمعوا إلى ربهم ، أي إلى موضع لا ملك أحد فيه نفعهم ولا ضرهم إلا الله تعالى ، وقيل : يخافون يعلمون لأن خوفهم إنما كان من علمهم.
﴿ليس لهم من دونه ولى﴾ قريب ينفعهم ﴿ولا شفيع﴾ يشفع لهم وجملة النفي ، أي : ليس في موضع الحال من ضمير يحشرون فإن المخوف هو الحشر على هذه الحال.
وقوله : ﴿من دونه﴾ حال من اسم ليس أي : متجاوزاتعالى والمراد بالموصول المؤمنون العاصون كما في أكثر التفاسير وإنما نفى الشفاعة لغيره من أن الأنبياء والأولياء يشفعون كما هو مذهب أهل السنة لأنهم لا يشفعون إلا بإذنه فكانت الشفاعة في الحقيقة من الله تعالى.
وقال المولى أبو السعود رحمه الله : المراد بالموصول المجوزون من الكفار للحشر سواء كانوا جارمين بأصله كأهل الكتاب وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء كالأولين أو في شفاعة الأصنام كالآخرين ، أو مترددين فيهما معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن يكون حقا وأما المنكرون للحشر رأسا والقائلون به القاطعون بشفاعة آباهم أو بشفاعة الأصنام فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم انتهى فالكلام على هذا ظاهر لأن الظالمين ليس لهم من حميم ولا شفيع يطاع.
﴿لعلهم يتقون﴾ تعليل للأمر ، أي :
34
أنذرهم لكي يتقوا الله بإقلاعهم عما هم فيه وعمل الطاعات أو يتقوا الكفر والمعاصي.
والإشارة أن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام أن يكلم الكفار على قدر عقولهم فقال : ﴿قل لا أقول لكم عندى خزآاان الله﴾ على أنها عندي ولكن لا أقول لكم وهي علم حقائق الأشياء وماهياتها وقد كان عنده في إراءة ﴿سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم﴾ (فصلت : 53) وفي إجابة قوله عليه السلام : "أرنا الأشياء كما هي" في قوله : "أوتيت جوامع الكلم" وما أمره الله تعالى إلا أن قل ليس عندي خزائن الله.
قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر : "ولا تبذر الأسرار" يعني : بيان الحقائق الذي هو غذاء القلب والروح كالسمراء ، يعني : الحنطة للجسم "في أرض عميان" يعني : في أرض استعداد هؤلاء الطوائف الذين لا يبصرون الحق ولا يشاهدونه في جميع الأشياء كما في "شرح الفصوص" للمولى الجامي قدس سره : قال السعدي قدس سره :
جزء : 3 رقم الصفحة : 33
دريغست بأسفله كفت از علوم
كه ضايع شود تخم درشوره بوم