تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿فلولا﴾ هلا ﴿إذ جآءهم بأسنآ﴾ عذابنا.

﴿تضرعوا﴾ أي : لم يفعلوا ذلك مع قيام المقتضى له فلولا يفيد اللوم والتنديم وذلك عند قيام الداعي إلى الفعل وانتفاء العذر في تركه.

﴿ولاكن قست قلوبهم﴾ استدراك على المعنى أي لم يتضرعوا ولكن يبست وجفت قلوبهم ولو كان في قلوبهم رقة وخوف لتضرعوا ﴿وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون﴾ أي : حسن لهم الكفر والمعاصي بأن أغواهم ودعاهم إلى اللذة والراحة دون التفكر والتدبر ولم يخطر ببالهم أن ما اعتراهم من البأساء والضراء ما اعتراهم إلا لأجله.

﴿فلما نسوا ما ذكروا به﴾ عطف على مقدر أي فانهمكوا فيه ونسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فلما نسوه.

﴿فتحنا عليهم أبواب كل شىء﴾ من فنون النعماء على مناهج الاستدراج.

﴿حتى﴾ ابتدائية ومع ذلك غاية لقوله فتحنا ﴿إذا فرحوا بمآ أوتوا﴾ أي : صاروا معجبين بحالهم.

فالفرح فرح البطر كفرح قارون بما أصابه من الدنيا ﴿أخذناهم﴾ بالعذاب ﴿بغتة﴾ أي : فجأة ليكون أشد عليهم وقعا وأفظع هولا كما قال أهل المعاني إنهم إنما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون أشد تحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية ﴿فإذا هم مبلسون﴾ متحسرون غاية الحسرة آيسون من كل خير راجون فإذا للمفاجأة.

والإبلاس بمعنى اليأس من النجاة عند ورود المهلكة والمعنى الحسرة والحزن.

﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا﴾ أي : آخرهم بحيث لم يبق منهم أحد فالدابر يقال للتابع للشيء من خلفه كالولد للوالد يقال دبر فلان القوم يدبر دبرا ودبورا إذا كان آخرهم.

جزء : 3 رقم الصفحة : 30

قال البغوي : معناه إنهم استؤصلوا بالعذاب فلم يبق منهم باقية ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم ، فإن هلاكهم بسبب ظلمهم الذي هو وضع الكفر موضع الشكر ، وإقامة المعاصي مقام الطاعات.

﴿والحمد لله رب العالمين﴾ على إهلاكهم فإن هلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل العرض من شؤم عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها لا سيما مع ما فيه من إعلاء كلمة الحق التي نطقت بها رسلهم عليهم السلام.

وفي الآيات أمور.

منها أن الله تعالى هو المرجع في كل أمر حال الاختيار والاضطرار ، والعاقل لا يلتجىء إلى غيره تعالى ؛ لأن ما سوى الله آلات وأسباب والمؤثر في الحقيقة هو الله تعالى فشأن المؤمن هو النظر إلى بابه والاستعداد من جنابه حال السراء والضراء بخلاف الكافر فإنه يفتح عينيه عند نزول الشدة والمقبول هو الرجوع اختيارا فإن العبد المطيع لا يترك باب سيده على كل حال.

ومنها أن الله تعالى يقلب الإنسان تارة من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء وأخرى يعكس الأمر كما يفعله الأب المشفق بولده

30

يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلبا لصلاحه وإلزاما للحجة وإزاحة للعلة ففي هذه المعاملة تربية له وفائدة عظيمة في دينه ودنياه إن تفطن : قال الصائب (من) :

نهاد سخت توسوهان بخرد نمى كيد

وكرنه ست وبلند زمان سوهانست

ومنها إن الهلاك بقدر الاستدراج ونعوذ بالله تعالى من المكروه وفي الحديث : "إذا رأيت الله تعالى يعطي عبدا في الدنيا على معصية ما يحب فإن ذلك منه استدراج" ، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم ﴿فلما نسوا ما ذكروا به﴾ (الأنعام : 44) الآية.

وفي "التأويلات النجمية" : ﴿فتحنا عليهم أبواب كل شىء﴾ أي : من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهر الباطنة من فتوحات الغيب وإراءة الآيات وظواهر الكرامات ورؤية الأنوار وكشف الأسرار والأشراف على الخواطر وصفاء الأوقات ومشاهدة الروحانية وأشباهها مما يربى به أطفال الطريقة فإن كثيرا من متوسطي هذه الطائفة تعتريهم الآفات في أثناء السلوك عند سآمة النفس من المجاهدات وملالتها من كثرة الرياضات فيوسوسهم الشيطان وتسول لهم أنفسهم أنهم قد بلغوا في السلوك رتبة قد استغنوا بها عن صحبة الشيخ وتسليم تصرفاته فيخرجون من عنده ويشرعون في الطلب على وفق أنفسهم فيقعون في ورطة الخذلان وسخرة الشيطان فيريهم الأشياء الخارقة للعادة وهم يحسبون أنها من نتائج العبادة وكان بعضهم يسير في البادية وقد أصابه العطش فانتهى إلى بئر فارتفع الماء إلى رأس البئر فرفع رأسه إلى السماء وقال أعلم أنك قادر ولكن لا أطيق هذا فلو قيضت لي بعض الأعراب يصفعني صفعا ويسقيني شربة ماء كان خيرا لي ثم إني أعلم أن ذلك الرفق ليس من جهته.

جزء : 3 رقم الصفحة : 30

وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي قدس سره : من لم يكن كارها لظهور الآيات وخوارق العادات منه كراهية الخلق لظهور المعاصي فهي حجاب في حقه وسترها عنه رحمة.

ومنها أن العجب مذموم مهلك وفي الحديث "ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه".

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٢٤