والجواب : أن زمان الموت آخر زمان من أزمنة الدنيا وأول زمان من أزمنة الآخرة فمن انتهى تكذيبه إلى هذا الوقت صدق أنه كذب إلى أن ظهرت الساعة بفتة ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : "من مات فقد قامت قيامته".
﴿قالوا﴾ جواب إذا يا حسرتنا} الحسرة هي شدة الندم والتألم ونداؤها مجاز لأن الحسرة لا يتأتى منها الإقبال وإنما المعنى على المبالغة في شدة التحسر كأنهم نادوا الحسرة وقالوا إن كان لك وقت فهذا أوان حضورك ومثله يا ويلتنا والمقصود التنبيه على خطأ المنادي حيث ترك ما أحوجه تركه إلى نداء هذه الأشياء.
﴿على ما فرطنا فيها﴾ أي : على تفريطنا في شأن الساعة وتقصيرنا في مراعاة حقها والاستعداد لها بالإيمان بها واكتساب الأعمال الصالحة فعلى متعلق بالحسرة وما مصدرية والتفريط التقصير في الشيء مع القدرة على فعله ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾ حال من فاعل قالوا ، والأوزار جمع وزر وهو في الأصل الحمل الثقيل يقال وزرته ، أي : حملته ثقيلا منه وزير الملك لأنه يتحمل أعباء ما قلده الملك من مؤونة رعيته وحشمه سمي به الإثم والذنب لغاية ثقله على صاحبه والحمل من توابع الأعيان الكثيفة لا من عوارض المعاني فلا يوصف به العرض إلا على سبيل التمثيل والتشبيه وذكر الظهور كذكر الأيدي في قوله تعالى : ﴿فبما كسبت أيديكم﴾ (الشورى : 30) فإن المعتاد حمل الأثقال على الظهور كما أن المألوف هو الكسب بالأيدي ، والمعنى أنهم يتحسرون على ما لم يعملوا من الحسنات والحال إنهم يحملون أوزار ما عملوا من السيئات.
﴿ألا سآء ما يزرون﴾ أي : بئس شيئا يزرون ، أي : يحملون وزرهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 21
قال السدي وغيره : إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول : هل تعرفني؟ فيقول : لا فيقول أنا عملك الصالح فاركبني فقد طالمنا ركبتك في الدنيا فذلك قوله تعالى : ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفدا﴾ (مريم : 85) أي ركبانا ، وأما الكافر : فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول هل تعرفني فيقول لا فيقول أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك فهو معنى قوله تعالى : ﴿وهم يحملون﴾ إلخ.
فيكون الحمل على حقيقته لأن للأعمال صورا تظهر في الآخرة وإن كان نفسها إعراضا.
واعلم أن الأوزار كثيرة لكن ذنب الوجود فوق الكل ؛ إذ هو الباعث على سائر الأوزار وهو ثقل مانع عن السلوك فعلى السالك أن يتوب عن الكل ويفنى في طريق الحق فناء كليا.
قال الحافظ :
فكر خود ورأى خود در عالم رندى نيست
كفرست درين مذهب خود بيني وخودر رأيي
قال بعضهم : لا يمكن الخروج من النفس بالنفس وإنما يمكن الخروج من النفس بالله تعالى.
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم قدس سره : ذكر الله تعالى يرطب القلب ويلينه فإذا خلا عن الذكر أصابته حرارة النفس ونار الشهوات فقسا ويبس وامتنعت الأعضاء من الطاعة فإذا مددتها انكسرت ، كالشجرة إذا يبست لا تصلح إلا للقطع وتصير وقودا للنار أعاذنا الله منها ، فالذكر والتوحيد والاتباع إلى أهله هو أصل الأصول حكي عن علي بن الموفق أنه قال : حججت سنة من السنين في محمل فرأيت رجالا ، فأحببت المشي معهم فنزلت وأركبت واحدا في المحمل ومشيت معهم فتقدمنا إلى البرية وعدلنا عن الطريق فنمنا ،
22
فرأيت في منامي جواري معهن طشوت من ذهب وأباريق من فضة يغسلن أرجل المشاة ، فبقيت أنا فقالت إحداهن لصواحبها : أليس هذا منهم؟ قلن هذا له محمل ، فقالت : بلى هو منهم ؛ لأنه أحب المشي معهن فغسلن رجلي فذهب عني كل تعب كنت أجده هذه حال من مشى مع ولي باعتقاد صحيح فكيف مع نبي فلو أن كفار مكة ومشركي العرب استمعوا إلى النبي عليه السلام واتبعوا الذكر الذي أنزل إليه لنجوا وأسقطوا كل حمل عن ظهورهم ومشوا إلى جنة الفردوس لكن الله تعالى يهدي من يشاء.
وما الحيوة الدنيا} على حذف المضاف ، أي : ما أعمال الدنيا أي الأعمال المتعلقة بها من حيث هي هي.
﴿إلا لعب ولهو﴾ يلهي الناس ويشغلهم بمنفعته الزائلة عن الإيمان والعمل الصالح المؤدي إلى اللذة الدائمة واللعب عما يشغل النفس وينفرها عما تنتفع به واللهو صرفها عن الجد إلى الهزل.
﴿وللدار الاخرة﴾ التي هي محل الحياة الأخرى ﴿خير للذين يتقون﴾ الكفر والمعاصي لأن منافعها خالصة عن المضار ولذاتها غير منغصة بالآلام مستمرة على الدوام.
﴿أفلا تعقلون﴾ الفاء للعطف على مقدر ، أي : أتغفلون فلا تعقلون ، أي الأمرين خير ، وسميت الدنيا بالدنيا لدنوها قبل الآخرة أو لدناءتها ، وسميت الآخرة بالآخرة لتأخرها عن خلقها وإنما جعل الله الآخرة غائبة عن الأبصار لأنها لو كانت حاضرة لما جحدوها ولارتفعت التكاليف والمحن فجعل ما على الأرض زينة للابتلاء وحقيقة الدنيا ما يشغلك عن ربك.