فالوصول إلى المبدأ القديم بعد العبور من جسر الوصف الحادث.
والرابع : أن النافع هو الإيمان والتوحيد والصدق والإخلاص دون الشرك والكذب يروى أن المشركين إذا رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى وتجاوزه عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض تعالوا نكتم الشرك لعلنا تنجو مع أهل التوحيد فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر فلا يفلحون ، وكذا أهل الرياء من أهل التوحيد يزعمون أنهم على اليقين وكمال الإخلاص وأفعالهم الصادرة عن جوارحهم تدل على خلاف ذلك فإنما خلق الله جهنم لتطهير أهل الشرك مطلقا لكن أهل الكفر مخلدون فافهم المقام.
واعلم أن الله تعالى واحد وكل شيء يشهد على وحدته وعلى هذه الوحدة يعرفه ويشاهده أهل المعرفة والمشاهدة فإن كثرة الآثار لا تنافي الوحدة كالنواة مع الشجرة.
قال الحافظ :
تادم وحدت زدى حافظ شور يده حال
خامه توحيد كش برورق اين وآن
جزء : 3 رقم الصفحة : 17
﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ إذا قرأت القرآن روي أنه اجتمع أبو سفيان
19
والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : للنضر وكان صاحب أخبار يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ فقال : والذي جعلها بيته ما أدري ما يقول إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية ، فقال أبو سفيان : إني أرى بعض ما يقول حقا فقال أبو جهل : كلا فنزلت فالضمير للمشركين.
﴿وجعلنا﴾ أي : أنشأنا ﴿على قلوبهم﴾ الضمير راجع إلى من باعتبار المعنى.
﴿أكنة﴾ أي أغطية كثيرة لا يقادر قدرها خارجة مما يتعارفه الناس.
جمع كنان بالكسر وهو ما يستر به الشيء ﴿أن يفقهوه﴾ مفعول له بحذف المضاف أي كراهة أن يفقهوا ما يستمعون من القرآن المدلول عليه بذكر الاستماع جعلنا ﴿وفى ءاذانهم وقرا﴾ أي : صمما وثقلا كراهة أن يستمعوه حق الاستماع وهذا تمثيل معرب عن كمال جهلهم بشؤون النبي عليه السلام وفرط نبو قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومج أسماعهم له وهذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب فيشرح بعضها للهدى ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن كما هو مذهب أهل السنة.
وفي الآية : إشارة إلى أن مكافاة من يستمع إلى كلام الله تعالى أو إلى حديث النبي عليه السلام أو إلى كلمات أرباب الحقائق بالإنكار ليأخذوا عليها ويطعنوا فيها أن يجعل الله تعالى حجابا على قلوبهم وسمعهم حتى لا يصل إليهم أنوارها ولا يجدون حلاوتها ولا يفهمون حقائقها.
قال المولى الجامي :
جزء : 3 رقم الصفحة : 19
عجب نبودكه ازقر آن نصيبت نيست جز حرفى
كه ازخو رشيد جز كرمى نبيند شم نابينا
﴿وإن يروا كل ءاية﴾ من الآيات القرآنية أي يشاهدوها بسماعها ﴿لا يؤمنوا بها﴾ أي كفروا بكل واحدة منها وسموها سحرا وافتراء وأساطير لفرط عنادهم واستحكام التقليد فيهم.
﴿حتى﴾ ابتدائية ومع هذا لا مانع من أن تفيد معنى الغاية أي بلغ بهم ذلك المنع من فهم القرآن إلى أنهم ﴿إذا جآءوك يجادلونك﴾ أي حال كونهم مجادلين لك.
﴿يقول الذين كفروا﴾ أي : لا يكتفون بمجرد عدم الإيمان بما سمعوا من الآيات الكريمة بل يقولون ﴿إن هاذآ﴾ أي ما هذا القرآن ﴿إلا أساطير الاولين﴾ أي : أباطيلهم وأكاذيبهم ، جمع أسطورة بالضم كالأضاحيك والأعاجيب جمع أضحوكة وأعجوبة.
وفي "المثنوي" :
ون كتاب الله بيامد هم بران
اين نين طعنه طعنه زدند آن كافران
كه اساطيراست وافسانه نند
نيست تعميقي وتحقيقي بلند
توز قرآن اي سر ظاهر مبين
ديو آدم را نبيند غير طين ﴿وهم﴾ أي : الكفار ﴿ينهون﴾ الناس ﴿عنه﴾ أي : عن القرآن والإيمان به.
﴿ويناون عنه﴾ أي : يتباعدون عنه بأنفسهم إظهارا لغاية نفورهم منه وتأكيدا لنهيهم عنه فإن اجتناب الناهي عن المنهي عنه من متممات النهي ولعل ذلك هو السر في تأخير النأي عن النهي.
والنأي البعد.
﴿وإن يهلكون﴾ أي : ما يهلكون بالنهي والنأي.
﴿إلا أنفسهم﴾ لأن ضرره عليهم ﴿وما يشعرون﴾ أي : والحال إنهم ما يعلمون ، أي : لا بإهلاك أنفسهم ولا باقتضاء ذلك عليها من غير أن يضروا بذلك شيئا من القرآن والرسول والمؤمنين.
﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار﴾ الخطاب
20