﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا﴾ لوصفهم النبي المنعوت في الكتابين بخلاف أوصافه عليه السلام فإنه افتراء على الله تعالى وبقولهم الملائكة بنات وقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله ونحو ذلك أي لا أحد أظلم منه.
﴿ومن أظلم ممن﴾ كأن كذبوا بالقرآن وبالمعجزات وسموها سحرا وحرفوا التوراة وغيروا نعوته عليه السلام فإن ذلك تكذيب بآياته وكلمة أو للإيذان بأن كلا من الافتراء والتكذيب وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم كيف وهم قد جمعوا بينهما فأثبتوا ما نفاه الله تعالى ونفوا ما أثبته.
﴿أنه﴾ أي : الشأن ﴿لا يفلح الظالمون﴾ أي : لا ينجون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب وإذا كان حال الظالمين هذا فما ظنك بمن في الغاية القاصية من الظلم.
﴿ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا﴾ يوم منصوب على الظرفية بمضمر مؤخر قد حذف إيذانا بضيق العبارة عن شرحه وبيانه والحشر جمع الناس إلى موضع معلوم والضمير للكل وجميعا حال منه ، والمعنى : ويوم نحشر الناس كلهم ، ثم نقول للمشركين خاصة للتوبيخ والتقريع على رؤوس الأشهاد ما نقول كان من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به دائرة المقال والعطف بثم للتراخي الحاصل بين مقامات يوم القيامة في المواقف فإن فيه مواقف بين كل موقف وموقف تراخ على حسب طول ذلك اليوم.
﴿أين شركآؤكم﴾ أي : آلهتكم التي جعلتموها شركاءفالإضافة مجازية باعتبار إثباتهم الشركة لآلهتهم.
﴿الذين كنتم تزعمون﴾ أي : تزعمونها شركاء شفعاء والزعم القول الباطل والكذب في أكثر الكلام.
جزء : 3 رقم الصفحة : 17
﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا﴾ الفتنة مرفوع على أنه اسم تكن والخبر إلا أن قالوا والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء وفتنتهم إما كفرهم مرادا به عاقبته أي لم تكن عاقبة كفرهم الذي التزموه مدة
18
أعمارهم وافتخروا به شيئا من الأشياء إلا جحوده والتبري منه بأن يقولوا ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ وأما جوابهم عبر عنه بالفتن ؛ لأنه كذب وإنما يقولون مع علمهم بأنه بمعزل من النفع رأسا من فرط الحيرة والدهش كما يقولون ربنا أخرجنا منها وقد أيقنوا بالخلود.
﴿أنظر﴾ يا محمد ﴿كيف كذبوا على أنفسهم﴾ بإنكار صدور الإشراك عنهم في الدنيا وتعجب من كذبهم فإنه أمر عجيب ﴿وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ عطف على كذبوا داخل في حيز انظر ، أي : كيف زال وذهب وبطل افتراؤهم فإنهم كانوا يفترون في حق الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله تعالى فبطل ذلك بالكلية يوم القيامة.
وفي الآيات أمور : الأول : إطلاق لفظ الشيء على الله تعالى لكن بمعنى شاىء لا بمعنى مشييء وجوده فهو الشائي المريد ، والثاني : إنه يلزمه التبري من الشرك عقيب التوحيد.
قال المولى الشهير بأخي لبي في "حواشي صدر الشريعة" : إسلام اليهود والنصارى مشروط بالتبري من اليهودية والنصرانية بعد الإتيان بكلمتي الشهادة وبدون التبري لا يكونان مسلمين ولو أتيا بالشهادتين مرارا لأنهما فسرا قولهما بأنه رسول الله إليكم لكن هذا في الذين اليوم بين ظهراني أهل الإسلام أما إذا كان في دار الحرب وحمل عليه رجل من المسلمين فأتى بالشهادتين أو قال دخلت دين الإسلام أو في دين محمد عليه السلام فهذا دليل توبته انتهى.
قال في "الدر" : المختصر في صفة الإيمان أن يقول : ما أمرني الله تعالى به قبلته وما نهاني عنه انتهيت عنه فإذا اعتقد ذلك بقلبه وأقر بلسانه كان إيمانا صحيحا وكان مؤمنا بالكل انتهى.
وإيمان المقلد صحيح عند الإمام الأعظم إلا أنه يأثم بترك النظر والاستدلال.
وفي فصل الخطاب من نشأ في بلاد المسلمين وسبح الله تعالى عند رؤية صنائعه فهو خارج عن حد التقليد.
والثالث أن قوله تعالى : ﴿كما يعرفون أبنآءهم﴾ (الأنعام : 2) يشير إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء ومبدأ وجود الأبناء منهم فكذلك أهل المعرفة تحقق عندهم أن الله تعالى مصدرهم ومبدأ وجودهم منه.
قال الحافظ :
جزء : 3 رقم الصفحة : 17
در مكتب حقائق ويش اديب عشق
هان اي سر بكوش كه روزي درشوى
خواب وخورت زمرتبه خويش دور كرد
آنكه رسى بخويش كه بى خواب وخور شوى