وفي "التأويلات النجمية" : وقد عم قهره جميع عباده فقهر الكفار بموت القلوب وحياة النفوس إذ أخطأهم النور المرشش على الأرواح في بدء الخلقة فضلوا في ظلمات الطبيعة وما اهتدوا إلى نور الشريعة وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فأخرجهم من ظلمات الطبيعة بالقيام على طاعته وقهر قلوب المحبين بلوعات الاشتياق فآنسها بلطف مشاهده وقهر أرواح الصديقين بسطوات تجلي صفات جلاله وبالجملة لا ترى شيئا سواه إلا وهو مقهور تحت أعلام عزته وذليل في ميادين صمديته فعلى العبد أن يعرف مولاه ويشتغل بعبوديته وهو الله تعالى الذي خلق كل شيء أوجده وقهره .
وحكي عن الشيخ عبد الواحد بن زيد قدس سره قال : كنت في مركب فطرحتنا الريح إلى جزيرة وإذا فيها رجل يعبد صنما فقلنا له يا رجل من تعبد فأومأ إلى الصنم فقلنا له إن آلهك هذا مصنوع عندنا من يصنع مثله ما هذا بآلة يعبد ، قال : فأنتم من تعبدون قلنا نعبد الذي في السماء عرشه وفي الأرض بطشه وفي الأحياء والأموات قضاؤه تقدست أسماؤه وجلت عظمته وكبرياؤه قال ومن أعلمكم بهذا قلنا وجه إلينا رسولا كريما فأخبرنا بذلك ، قال ما فعل الرسول فيكم قلنا لما أدى الرسالة قبضه الملك إليه واختار له ما لديه قال فهل ترك عندكم من علامة قلنا نعم ترك عندنا كتابا للملك قال : فأروني كتاب الملك فإنه ينبغي أن تكون كتب الملوك حسانا فأتيناه بالمصحف فقال ما أعرف هذا فقرأنا عليه سورة فلم يزل يبقى حتى ختمنا السورة فقال ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يعصى ثم أسلم وحسن إسلامه ثم مات بعد أيام على أحسن حال والحمدالملك المتعال في الغدو والآصال إنه هو المعبود المقصود وإليه يؤول كل أمر موجود.
جزء : 3 رقم الصفحة : 16
﴿قل أى شىء أكبر شهادة﴾ روي أن قريشا قالوا لرسول الله يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد أنك رسول الله فإنهم أنكروك فأنزل الله تعالى هذه الآية أمر حبيبه عليه السلام بأن يقول لهم أي شيء أعظم من جهة الشهادة ﴿قل الله﴾ أي : الله أكبر شهادة فشهادته أكبر من شهادة الخلق فإن شهادة الخلق وعلومهم لا تحيط بحقائق الأشياء كلها والحق سبحانه هو الذي يحيط علمه بجميع حقائق الأشياء أمر له عليه السلام بأن يتولى الجواب بنفسه للإيذان بتعينه وعدم قدرتهم على أن يجيبوا بغيره.
﴿شهيد﴾ أي : هو شهيد ﴿بينى وبينكم﴾ على صدقي ﴿أوحى إليك﴾ من جهته تعالى ﴿هاذا القرءان﴾ الشاهد بصحة رسالتي ﴿لانذركم به﴾ أي : أخوفكم بما فيه من الوعيد أيها الموجودون وقت نزول القرآن ﴿ومنا بلغ﴾ عطف على ضمير المخاطبين أي بلغه القرآن من الأنس والجن إلى يوم القيامة.
قال محمد بن كعب القرطبي : من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا عليه السلام وسمع منه.
أئنكم لتشهدون} إلجاء لهم إلى الإقرار بإشراكهم إذ لا سبيل لهم إلى إنكاره لاشتهارهم به والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ والمعنى بالفارسية (آيا شما ييدكه
17
كواهي ميدهيد).
﴿أن مع الله ءالهة أخرى قل﴾ لهم ﴿لا أشهد﴾ بذلك وإن شهدتم به فإنه باطل صرف ﴿قل إنما هو إلاه واحد﴾ تكرير الأمر للتأكيد أي بل إنما أشهد أنه تعالى لا إله إلا هو أي متفرد بالألوهية ﴿وإننى برىاء مما تشركون﴾ به من الأصنام.
جزء : 3 رقم الصفحة : 17
﴿الذين ءاتيناهم الكتاب﴾ جواب عما سبق من قولهم (لقد سألنا عنك اليهود والنصارى) والمراد بالموصول اليهود والنصارى وبالكتاب الجنس المتنظم للتوراة والإنجيل ﴿يعرفونه﴾ أي : محمدا عليه السلام بحليته ونعوته في كتابهم ﴿كما يعرفون أبنآءهم﴾ بحلاهم المعينة لهم روي أن رسول الله لما قدم المدينة قال عمر رضي الله عنه لعبد الله بن سلام أنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية فكيف هذه المعرفة فقال : يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد مني بابني ؛ لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حق من الله تعالى فقال عمر وفقك الله يا ابن سلام" ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ أي : غبنوا أنفسهم من أهل الكتابين والمشركين بأن ضيعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها وأعرضوا عن البينات الموجبة للإيمان بالكلية وهو مبتدأ خبره قوله : ﴿فهم لا يؤمنون﴾ لما أنهم مطبوع على قلوبهم والفاء السببية تدل على أن تضييع الفطرة الأصلية والعقل السليم سبب لعدم الإيمان.
قال البغوي : وذلك أن الله تعالى جعل لكل آدمي منزلا في الجنة ومنزلا في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار وذلك هو الخسران.