تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿قل﴾ يا محمد لكفار مكة ونزلت حين دعوه إلى الشرك ودين آبائه ﴿أغير الله أتخذ وليا﴾ أي : معبودا بطريق الاستقلال أو الاشتراك وقد اتخذني الله في أزليته حبيبا كما قال عليه السلام : "لو كنت متخذا خليلا غير الله لاتخذت أبا بكر خليلا

15

ولكن الله اتخذ صاحبكم خليلا".

أي : لا أتخذ فالمنكر هو اتخاذ غير الله وليا لا نفس اتخاذ الولي لكن قدم المفعول لكونه مناط الانكار.

﴿فاطر السماوات والارض﴾ مبدعهما ، أي : خالقهما ابتداء لا على مثال سبق وهو بدل من الجلالة ﴿وهو﴾ أي : والحال أنه ﴿يطعم ولا يطعم﴾ ، أي : يرزق الخلق ولا يرزق وتخصيص الطعام بالذكر لشدة الحاجة إليه ﴿قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم﴾ وجههمخلصا له لأن النبي إمام أمته في الإسلام.

﴿ولا تكونن من المشركين﴾ ، أي : وقيل لي لا تكونن من المشركين به تعالى في أمر من أمور الدين ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك ، وحقيقة الإسلام الإخلاص من حبس الوجود وما خلص منه غيره عليه السلام بالكلية ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي وهو يقول أمتي أمتي.

جزء : 3 رقم الصفحة : 13

﴿قل إنى أخاف إن عصيت ربى﴾ أي : بمخالفة أمره ونهيه أي عصيان كان.

﴿عذاب يوم عظيم﴾ أي : عذاب يوم القيامة مفعول أخاف وفيه قطع لأطماعهم وتعريض بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب العظيم.

﴿من يصرف عنه يومئذ﴾ أي : من يصرف عنه العذاب في ذلك اليوم العظيم ويومئذ ظرف للصرف.

﴿فقد رحمه﴾ أي : نجاه وأنعم عليه.

﴿وذالك﴾ الصرف ﴿الفوز المبين﴾ أي : النجاة الظاهرة.

﴿وإن يمسسك الله بضر﴾ دليل آخر على أنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ غير الله وليا ، أي ببلية كمرض وفقر ونحو ذلك والباء للتعدية وترجمته بالفارسية (واكر برساند خدا بتوسختي).

﴿فلا كاشف له﴾ أي : فلا قادر على كشف ذلك الضر ورفعه عنك.

﴿إلا هو﴾ تعالى وحده ﴿وإن يمسسك بخير﴾ من صحة ونعمة ونحو ذلك ﴿فهو على كل شىء قدير﴾ فكان قادرا على حفظه وإدامته فلا يقدر غيره على رفعه كقوله : ﴿فلا رآد لفضله﴾ (يونس : 107).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : "أهدي إلى النبي عليه السلام بغلة أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ، ثم أردفني خلفه ثم سار بي مليا ثم التفت إلى فقال : "يا غلام" فقلت لبيك يا رسول الله فقال : "احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، فقد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه ، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، واعلم أن النصر مع الصبر وأن مع الكرب الفرج وأن مع العسر يسرا".

جزء : 3 رقم الصفحة : 16

فإن قلت : قد يتصور أن يكشف الإنسان عن صاحبه كربة من الكرب.

قلت : كاشف الضر في الحقيقة هو الله تعالى إما بواسطة الأسباب أو بغيرها.

قال الحافظ :

كرر نج يشت آيد وكر راحت اي حكيم

نسبت مكن بغير كه اينها خدا كند

وكذا الاستعانة في الحقيقة من الله تعالى ، فالاستعانة من الأنبياء والأولياء إنما هي استشفاع منهم في قضاء الحاجة والموحد لا يعتقد أن في الوجود مؤثرا غير الله تعالى.

﴿وهو القاهر﴾ أي : القادر الذي لا يعجزه شيء مستعليا.

﴿فوق عباده وهو الحكيم﴾ في كل ما يفعله ويأمر به ﴿الخبير﴾ بأحوال عباده وخفايا أمورهم.

صور قهره تعالى وعلو شانه بالعلو الحسي فعبر عنه بالفوقية بطريق الاستعارة التمثيلية فقوله ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ عبارة عن كمال القدرة

16

كما أن قوله : ﴿وهو الحكيم الخبير﴾ عبارة عن كمال العلم.

قال المولى الفناري في "تفسيره" : الفوقية من حيث القدرة لا من حيث المكان لعلو شأنه تعالى عن ذلك فإنه تعالى قاهر للممكنات معدومة كانت أو موجودة لأنه يقهر كل واحد منهما بضده فيقهر المعدومات بالإيجاد والتكوين والموجودات بالإفناء والإفساد.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ١٣