﴿وإنه لغفور رحيم﴾ لمن راعاها كما ينبغي وفي الحديث : "يؤتى بالرجل يوم القيامة وقد جمع مالا من حرام وأنفقه في حرام ، فيقال : اذهبوا به إلى النار ، ويؤتى بالرجل قد جمع مالا من حلال وأنفقه في حلال ، فيقال له : قف لعلك فرطت في هذا في شيء مما فرض عليك من صلاة لم تصلها لوقتها أو فرطت في ركوعها وسجودها ووضوئها ، فيقول : لا يا رب كسبت من حلال وأنفقت في حلال ، ولم أضيع شيئا مما فرضت ، فيقال لعلك اختلت في هذا المال في شيء من مركب أو ثوب باهيت به ، فقال : لا يا رب لم أختل ولم أباه في شيء ، فيقال لعلك منعت حق أحد أمرتك أن تعطيه من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، فيقول : لا يا رب كسبت من حلال وأنفقت في حلال ، ولم أضيع شيئا مما فرضت علي ولم أختل ولم أباه ولم أضيع حق أحد أمرتني أن أعطه قال : فجيء بأولئك فيخاصمونه ، فيقولون : يا رب أعطيته وجعلته بين أظهرنا وأمرته أن يعطينا فإنه أعطانا وما ضيع شيئا من الفرائض ، ولم يختل في شيء ، فيقال : قف الآن هات شكر نعمة أنعمتها عليك في أكلة أو شربة أو لذة فلا يزال يسأل".
واعلم : أن الله تعالى كما أعطى المال وجاه ليتميز من هو على الشكر ومن هو على الكفران كذلك أعطى الحال ، أي استعداد الخلافة ليظهر من المتخلق بأخلاق الله القائم بأوامره في العباد والبلاد ومن الذي رجع القهقرى إلى صفات البهائم والأنعام ، فمن أضاع صفات الحق بتبديلها بصفات الحيوانات عوقب بالختم على قلبه وسمعه وبصره ، فهو لا يرجع إلى مكان الغيب الذي خرج منه بل حبس في أسفل سافلين الطبيعة ، ومن تاب عن متابعة النفس والهوى ومخالفة الحق والهدى وآمن وعمل عملا صالحا للخلافة فقد اهتدى ولم يرجع القهقرى حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه حج إلى بيت الله الحرام فبينما هو في الطواف ؛ إذ بشاب حسن الوجه قد أعجب الناس حسنه وجماله ، فصار إبراهيم ينظر إليه ويبكي ، فقال بعض أصحابه : إناوإنا إليه راجعون غفلة دخلت على الشيخ بلا شك ثم قال : يا سيدي ما هذا النظر الذي يخالطه البكاء؟ فقال له إبراهيم : يا أخي إني عقدت مع الله تعالى عقدا لا أقدر على فسخه ، وإلا كنت أدني هذا الفتى وأسلم عليه فإنه ولدي وقرة عيني تركته صغيرا ، وخرجت فارا إلى الله تعالى وها هو قد كبر كما ترى وإني لأستحيي من الله سبحانه أن أعود لشيء ، خرجت عنه قال : ثم قال لي امض وسلم عليه لعلي أتسلى بسلامك عليه وأبرد نارا على كبدي قال : فأتيت الفتى فقلت له بارك الله لأبيك فيك فقال : يا عم وأين أبي إن أبي
132
خرج فارا إلى الله تعالى ليتني أراه ، ولو مرة واحدة وتخرج نفسي عند ذلك هيهات وخنقته العبرة وقال والله أود أني رأيته وأموت في مكاني ، قال : ثم رجعت إلى إبراهيم وهو ساجد في المقام وقد بل الحصى بدموعه وهو يتضرع إلى الله تعالى ويقول :
جزء : 3 رقم الصفحة : 128
هجرت الخلق طرا في هواك
وأيتمت العيال لكي أراك
فلو قطعتني في الحب إربا
لما سكن الفؤاد إلى سواك
قال : فقلت له ادع له ، فقال : حجبه الله عن معاصيه وأعانه على ما يرضيه انتهى فانظر إلى حال من ترك السلطنة واختار الفقر والقناعة وأنت تؤثر الغنى والمقال على الفقر والحال وفي الحديث "اللهم اجعل رزق آل محمد قوثا" أي قدر ما يمسك الرمق وقيل : القوت هو الكفاية من غير إسراف وفيه بيان أن الكفاف أفضل من الغنى ؛ لأن النبي عليه السلام إنما يدعو لنفسه بأفضل الأحوال قال الحافظ :
درين بازاركر سوديست يا درويش خر سندست
الهي منعمم كرداف بدرويشى وخرسندى
جعلنا الله وإياكم من المقتفين لآثار سنة سيد المرسلين ، وحقق آمالنا من الوصول إلى مقام التوكل واليقين ، إنه لا يخيب رجاء سائله وداعيه ولا يقطع أجر عبده في كل مساعيه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 128