تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ولو نزلنا عليك﴾ روي أن بعض المشركين قالوا يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله فأنزل الله تعالى قوله : ﴿ولو نزلنا عليك﴾ ﴿كتابا فى قرطاس﴾ أي : مكتوبا في رق فالكتاب بمعنى مفعول ﴿فلمسوه﴾ أي الكتاب ﴿بأيديهم﴾ بعد ما رأوه بأعينهم بحيث لم يبق لهم في شأنه اشتباه فذكر اللمس لأن التزوير لا يقع فيه فلا يمكنهم أن يقولوا إنما سكرت أبصارنا أي سدت وذكر الأيدي مع أن اللمس لا يكون عادة إلا بها لدفع التجوز فإنه يتجوز به للتفحص كما في قوله تعالى : ﴿وأنا لمسنا السمآء﴾ (الجن : 8) أي تفحصنا ﴿لقال الذين كفروا﴾ تعنتا وعنادا لحق بعد ظهوره كما هو دأب المحجوج اللجوج ﴿إن هاذآ﴾ أي : الكتاب ﴿إلا سحر مبين﴾ أي : بين كونه سحرا على كل أحد ولا شك أن من حرم التوفيق وكذب بالحق غيبا وحدسا كذب به عيانا وحسا فلو أن أهل الإنكار رأوا الأولياء والصالحين

11

يطيرون في الهواء لقالوا هذا سحر وهؤلاء شياطين.

جزء : 3 رقم الصفحة : 11

﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك﴾ شروع في قدحهم في النبوة صريحا بعدما أشير إلى قدحهم فيها ضمنا ولولا تحضيضية بمعنى الأمر والضمير في عليه للنبي عليه السلام أي هلا أنزل عليه ملك بحيث نراه ويكلمنا أنه نبي ﴿ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر﴾ ولو أنزلنا ملكا على هيئة حسبما اقترحوه والحال إنه من هول المنظر بحيث لا يطيق مشاهدته قوى الآحاد البشرية لقضي الأمر ، أي : هلاكهم بالكلية ﴿ثم لا ينظرون﴾ أي : لا يمهلون بعد نزوله طرفة العين ومعنى ثم بعد ما بين الأمرين قضاء الأمر وعدم الإنظار وجعل عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجأة العذاب أشد من نفس العذاب وأشق ﴿ولو جعلناه ملكا﴾ الهاء للمطلوب وهو أن يكون الشاهد على نبوته عليه السلام ملكا ﴿لجعلناه رجلا﴾ ، أي : لمثلنا ذلك الملك رجلا لما مر من عدم استطاعة الآحاد لمعاينة الملك على هيكله وكان جبرائيل عليه السلام يأتي النبي عليه السلام في صورة دحية الكلبي وجاء الملكان إلى داود عليه السلام في صورة رجلين مختصمين إليه وجاءت الملائكة إلى إبراهيم في صورة الضيفان فإن القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك وصورته وإنما رآهم كذلك الأفراد من الأنبياء لقوتهم القدسية ﴿وللبسنا عليهم﴾ جواب محذوف ، أي : ولو جعلناه رجلا لخلطنا عليهم بتمثيله رجلا ﴿ما يلبسون﴾ على أنفسهم حينئذ بأن يقولوا له إنما أنت بشر ولست بملك والتغيير عن تمثيله تعالى رجلا باللبس لكونه سببا للبسهم وفيه تأكيد لاستحالة جعله ملكا كأنه قيل لو فعلناه لفعلنا ما لا يليق بشأننا من لبس الأمر عليهم من لبست الأمر على القوم ألبسه من باب ضرب إذا شبهت وجعلته مشكلا عليهم وأصله الستر بالثوب.

﴿ولقد استهزىا برسل من قبلك﴾ برسل متعلق باستهزىء ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسل وهو تسلية لرسول الله عليه السلام عما يلقاه من قومه أي وبالله لقد استهزىء برسل أولى شأن خطير ، وذوي عدد كثير كائنين من زمان قبل زمانك على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ﴿فحاق﴾ عقيبه ، أي : أحاط أو نزل أو حل أو نحو ذلك فإن مناه يدور على الشمول واللزوم ولا يكاد يستعمل إلا في الشر والحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله ﴿بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون﴾ ما موصولة اسمية والعائد الهاء في به وبه متعلق بيستهزئون والموصول مع صلته فاعل حاق ، أي : فأحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به حيث أهلكوا لأجله فإسناد الإحاطة والإهلاك إلى الرسل من قبيل الإسناد إلى السبب والمعنى أحاط الله بهم وأهلكهم بسبب استهزائهم بالرسل وقد أنجز الله ذلك يوم بدر ، أي إنجاز.

جزء : 3 رقم الصفحة : 11

﴿قل سيروا فى الأرض﴾ أي : سافروا في الأرض لتعرف أحوال الأمم الماضية ﴿ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ أي : تفكروا في أنهم كيف أهلكوا بعذاب الاستئصال وثم لتفاوت ما بين الواجبين فإن وجوب السير ليس إلا لكونه وسيلة إلى النظر ومثله قوله توضأ ثم صل والعاقبة مصدر وهي منتهى الأمر ومآله.

اعلم أن الاستهزاء من شيم النفوس المتمردة بأرباب الدين من الأنبياء والأولياء في كل زمان وحين يروى أن النبي عليه السلام كان جالسا في المسجد الحرام مع جماعة من المستضعفين بلال وصهيب وعمار

12

وغيرهم فمر بهم أبو جهل في ملأ من قريش فقال يزعم محمد أن هؤلاء ملوك الجنة فاستهزأ بفقراء المسلمين وقد فعل الله به ما فعل يوم بدر فنال جزاء استهزائه وذلك محل العبرة لأولى الأبصار.

وفي "المثنوي" :

نى ترا حفظ زبان از رازكس

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ١٠