تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن الشيخ : المدرار مفعال وهو من أبنية المبالغة للفاعل كامرأة مذكار ومئناث وأصله من در اللبن درورا وهو كثرة وروده على الحالب يقال سحاب مدرار ومطر مدرار إذا تتابع منه المطر في أوقات الاحتياج إليه ﴿وجعلنا الانهار﴾ أي : صيرناها ﴿تجرى من تحتهم﴾ أي : من تحت أشجارهم ومساكنهم وقصورهم والمعنى أعطيناهم من البسط في الأجسام والامتداد في الأعمار والسعة من الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا في استجلاب المنافع واستدفاع المضار ما لم نعط أهل مكة ففعلوا ما فعلوا من الكفران والعصيان ﴿فأهلكناهم بذنوبهم﴾ أي : أهلكت كل قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من الذنوب فما أغنى عنهم تلك العدد والأسباب فسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب ﴿وأنشأنا منا بعدهم﴾ أي : أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن ﴿قرنا ءاخرين﴾ بدلا من الهالكين وهو لبيان كمال قدرته تعالى وسعة سلطانه وأن ما ذكر من إهلاك الأمم الكثيرة لم ينقص من ملكه شيئا ، بل كلما أهلك أمة أنشأ بدلها أخرى يعمر بهم بلاده ومن عادته تعالى إذهاب أهل الظلم بعد الإمهال ومجيئه بأهل العدل والإنصاف ونفي أهل الرياء والسمعة ، وإثبات أهل الصدق والإخلاص ولن يزال الناس من أهل الخير في كل عصر.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : "إنعبادا يقال لهم الأبدال ، لم يبلغوا ما بلغوا بكثرة الصوم والصلاة والتخشع وحسن الحلية ، ولكن بلغوا بصدق الروع وحسن النية وسلامة الصدر والرحمة بجميع المسلمين ، اصطفاهم الله

10

بعلمه واستخلصهم لنفسه وهم أربعون رجلا على مثل قلب إبراهيم عليه السلام ، لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه ، واعلم أنهم لا يسبون شيئا ولا يلعنون ولا يؤذون من تحتهم ولا يحقرونه ولا يحسدونه من فوقهم ، أطيب الناس خبرا وألينهم عريكة وأسخاهم نفسا لا تدركهم الخيل المجراة ولا الرياح العواصف ، فيما بينهم وبين ربهم إنما قلوبهم تصعد في السقوف العلى ارتباحا إلى الله تعالى في استباق الخيرات أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون" وهذا بعض كلامه.

وفي قوله تعالى : ﴿فأهلكناهم بذنوبهم﴾ إشارة إلى أن الهلاك مطلقا صوريا ومعنويا بدنيا وماليا إنما هو بشؤم المعصية وكفران النعمة ونعم ما قيل :

جزء : 3 رقم الصفحة : 9

شكر نعمت نعمتت افزون كند

كفر نعمت ازكفت بيرون كند

فمن أعرض عن المعجزات والكرامات والإلهامات لإقباله على الدنيا وزينتها وشهواتها كأنهم الأنعام بل هم أضل لأن الأنعام ما كذبت بالحق وهو قد كذب.

دريغ آدمي زاده ر محل

كه باشد وانعام بل هم اضل

وقول تعالى : ﴿فسوف يأتيهم﴾ أي : في الدنيا والآخرة ﴿فقد كذبوا فسيأتيهم أناباؤا ما﴾ أما في الدنيا فمن استهزائهم بأقوال الأنبياء والأولياء وأحوالهم يصمهم الله ويعمي أبصارهم فلا يهتدون إلى حق ولا إلى حقيقة سبيلا وأما في الآخرة فيعذبهم بعذاب القطعية والبعد والحرمان والخلود في النيران حكي أن إمام الحرمين كان يدرس يوما في المسجد بعد صلاة الصبح فمر عليه بعض شيوخ الصوفية ومعه أصحابه من الفقراء وقد دعوا إلى بعض المواضع فقال إمام الحرمين في نفسه ما شغل هؤلاء إلا الأكل والرقص فلما رجع الشيخ من الدعوة مر عليه وقال يا فقيه ما تقول فيمن صلى الصبح وهو جنب ويقعد في المسجد ويدرس العلوم ويغتاب الناس فذكر إمام الحرمين أنه كان عليه غسل ثم حسن اعتقاده بعد ذلك في الصوفية.

أقول : وأول الأمر اعتقادهم ثم الاتباع بطريقتهم ثم الوصول إلى مقاماتهم.

وقيل لأبي القاسم الجنيد قدس سره : ممن استفدت هذه العلوم؟ فقال : من جلوسي بين يدي الله تعالى ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة وأشار إلى درجة في داره فهذه الطريقة لا تنكشف أسرارها ولا تتلألأ أنوارها إلا بعد اجتهاد تام وسلوك قوي والله الهادي.

جزء : 3 رقم الصفحة : 9

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٩