واعلم أن الله تعالى أرسل محمدا إلى أقوام عتاة أشراس فذلل منهم كل من عتا وعاس ونكس بمولده الأصنام على الرأس وانشق إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرافة بعدد من سيملك من الناس وخمدت نار فارس وبحيرة ساوة غاضت على غير القياس واختاره مولاه وقدمه على الخلق فهو بمنزلة العين من الرأس وأيام دولته كأيام التشريق وليلات الأعراس فتعجبت قريش من غنى بالفضل بعد فقر الإفلاس فرماهم القرآن بسهام الجدل لا عن أقواس أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس فهو رحمة عامة للأنام وله خطر جليل عند الخواص والعوام فيما خطب به أبو طالب في تزويج خديجة رضي الله عنها وقد حضر معه بنو هاشم ورؤساء مضر "الحمدالذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضىء معد وعنصر مضر وجعلنا خضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم ابن أخي هذا محمد بن عبد الله من لا يوزن به فتى
120
من قريش إلا رجح به وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل" وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : "قال لي جبريل يا محمد قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد ولم أجد بني أب أفضل من بني هاشم" آدم ومن دونه تحت اللواء.
زانكه بهر اوست خلق ما سوا
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشا كانت نورا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بألفي عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق الله آدم ألقى ذلك النور في طلبه.
نور بهار عالم نور بهار آدم
وذكر أن عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم بينا هو نائم في الحجر انتبه مذعورا قال العباس فتبعته وأنا يومئذ غلام أعقل ما يقال فأتى كهنة قريش فقال : رأيت كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهري ولها أربعة أطراف : طرف قد بلغ مشارق الأرض ، وطرف قد بلغ مغاربها ، وطرف قد بلغ عنان السماء ، وطرف قد جاوز الثرى ، فبينا أنا أنظر عادت شجرة خضراء لها نور فبينا أنا كذلك قام علي شيخان فقلت لأحدهما : من أنت؟ قال : أنا نوح نبي رب العالمين وقلت للآخر : من أنت؟ قال إبراهيم خليل رب العالمين ثم انتبهت قالوا : إن صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك نبي ويؤمن به أهل السموات وأهل الأرض ودلت السلسلة على كثرة أتباعه وأنصاره وقوتهم لتداخل حلق السلسلة ورجوعها شجرة تدل على ثبات أمره وعلو ذكره وسيهلك من لم يؤمن به كما هلك قوم نوح وستظهر به ملة إبراهيم وإلى هذا وقعت إشارة النبي عليه الصلاة والسلام يوم حنين حيث قال :
جزء : 2 رقم الصفحة : 120
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
كأنه يقول : أنا ابن صاحب تلك الرؤيا مفتخرا بها لما فيها من علم نبوته وعلو كلمته ثم أنه لا نهاية لأوصافه الشريفة وأخلاقه الحميدة وإنما الكلام في أن يكون المرء ممتلئا بمحبته مقتفيا بآثار سنته حتى يكون من أمته حقيقة والخدمة في عتبة بابه من جهة الشريعة والطريقة من أقوى الوسائل إلى الوصول.
حكي أن مريدا مدعيا قال : إن شيخي يعرف مقامي في هذه الطريقة واستحقاقي للخلافة والنصب في مقام الإرشاد فماله لا يجيزني بالخلافة فسمع ذلك شيخه فاستخدمه أياما فأظهر ذلك الصوفي الكسل في خدمته ولم يخدمه بالشوق والاجتهاد فرأى حاله الشيخ فقال منكرا لما ادعاه من لا يقدر على خدمة الخلق كيف يقدر على خدمة الخالق؟ فانظر كيف جعل خدمة الخلق من أسباب خدمة الخالق والوصول إليه وهكذا من كان في قلبه ميل إلى وصول الحق فلا بد له أن يرجع أولا إلى خدمة شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وسننه حتى يحبه النبي عليه الصلاة والسلام فيحبه الله تعالى.
محالست سعدى كه راه صفا
توان رفت جز درى مصطفا
شرفنا الله وإياكم برعاية سننه وآدابه والاقتفاء بآثار اله وأصحابه إنه المنان جزيل الإحسان واسع الغفران في كل زمان ﴿أو لمآ أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هاذا﴾ الواو عاطفة لمدخولها على محذوف قبلها ولما ظرف لقلتم مضاف إلى ما بعده وقد أصبتم في محل الرفع على أنه صفة لمصيبة والمراد بها ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم وبمثليها ما أصاب المشركين يوم بدر من قتل سبعين منهم وأسر سبعين وأنى هذا مقول قلتم والمعنى أحين أصابكم من المشركين نصف ما قد أصابهم منكم قبل ذلك جزعتم وقلتم من أين أصابنا هذا فالهمزة
121
للتقرير والتقريع على قولهم لو كان رسولا من عند الله لما انهزم عسكره من الكفار يوم أحد وأدى ذلك إلى أن قالوا : من أين هذه المغلوبية للمشركين فكيف صاروا منصورين علينا مع شركهم وكفرهم بالله ونحن ننصر رسول الله ودين الإسلام وهو استفهام على سبيل الإنكار فأمر الله تعالى ورسوله عليه السلام بأن يجيب عن سؤالهم الفاسد فقال : ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾ أي هذا الإنهزام إنما حصل بشؤم عصيانكم حيث خالفتم الأمر بترك المركز والحرص على الغنيمة