جزء : 2 رقم الصفحة : 120
﴿إن الله على كل شىء قدير﴾ ومن جملته النصر عند الطاعة والخذلان عند المخالفة وحيث خرجتم عن الطاعة أصابكم منه تعالى ما أصابكم ﴿ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان﴾ أي جمعكم وجمع المشركين يريد يوم أحد ﴿فبإذن الله﴾ أي فهو كائن بقضائه وتخليته الكفار سماها إذنا لأنها من لوازمه ﴿وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا﴾ أي : وليتميز المؤمنون والمنافقون فيظهر إيمان هؤلاء وكفر هؤلاء ﴿وقيل لهم﴾ عطف على نافقوا داخل معه في هذه الصلة وهم عبد الله بن أبي وأصحابه حيث انصرفوا يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم عبد الله بن حرام أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم ودعاهم إلى القتال وذلك قوله تعالى : ﴿تعالوا قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا﴾ عنا العدو وبتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا فإن كثرة السواد مما يروع العدو ويكسر منه ﴿قالوا﴾ حين خيروا بين الخصلتين المذكورتين ﴿لو نعلم قتالا اتبعناكم﴾ أي لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لاتبعناكم فيه لكن ما أنتم عليه ليس بقتال بل إلقاء النفس إلى التهلكة ولو نحسن قتالا لاتبعناكم وإنما قالوه دخلا واستهزاء ﴿هم للكفر يومااذ أقرب منهم للايمان﴾ ومعنى كون قربهم إلى الكفر أزيد يومئذ من قربهم إلى الإيمان أنهم كانوا قبل ذلك الوقت كاتمين للنفاق فكانوا في الظاهر أبعد من الكفر فلما ظهر منهم ما كانوا يكتمون صاروا أقرب للكفر فإن كل واحد من انخذالهم برجوعهم عن معاونة المسلمين وكلامهم المحكي عنهم يدل على أنهم ليسوا من المسلمين ﴿يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم﴾ يظهرون خلاف ما يضمرون لا تواطىء قلوبهم ألسنتهم بالإيمان وإضافة القول إلى الأفواه تأكيد وتصوير فإن الكلام وإن كان يطلق على اللسان والنفساني إلا أن القول لا يطلق إلا على ما يكون باللسان والفم فذكر الأفواه بعده تأكيد كقوله تعالى : ﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾ وتصوير لحقيقة لقول بصورة فرده الصادر على آلته التي هي الفرد ﴿والله أعلم بما يكتمون﴾ من النفاق وما يخلو به بعضهم إلى بعض فإنه بعلمه مفصلا بعلم واجب وأنتم تعلمونه مجملا بإمارات.
جزء : 2 رقم الصفحة : 120
﴿الذين قالوا﴾ مرفوع على أنه بدل من واو يكتمون ﴿لاخوانهم﴾ لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو إخوانهم في النسب وفي سكنى الدار فيندرج فيهم بعض الشهداء ﴿وقعدوا﴾ حال من ضمير قالوا بتقدير قد أي قالوا وقد قعدوا عن القتال بالانخذال ﴿لو أطاعونا﴾ أي فيما أمرناهم ووافقونا في ذلك ﴿ما قتلوا﴾ كما لم نقتل وفيه إيذان بأنهم أمروهم بالانخذال حين انخذلوا وأغووهم كما غووا ﴿قل﴾ تبكيتا لهم وإظهارا لكذبهم أي ارفعوا ﴿عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ جواب الشرط محذوف يدل عليه
122
ما قبله أي إن كنتم صادقين فيما ينبىء عنه قولكم من أنكم قادرون على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموت الذي كتب عليكم معلقا بسبب خاص موقتا بوقت معين بدفع سببه فإن أسباب الموت في إمكان المدافعة بالحيل وامتناعها سواء وأنفسكم أعز عليكم من إخوانكم وأمرها أهم لديكم من أمرهم والمعنى أن عدم قتلكم كان بسبب أنه لم يكن مكتوبا لا بسبب أنكم دفعتموه بالقعود مع كتابته عليكم فإن ذلك مما لا سبيل إليه بل قد يكون القتال سببا للنجاة والقعود مؤديا إلى الموت.
زيش خطر تاتوانى كريز
وليكن مكن باقضا نه تبز
كرت زندكاني نبشتست دير
نه مارت كر آيدنه شمشيروتير
واعلم أن الموت ليس له سن معلوم ولا أجل معلوم ولا مرض معلوم وذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك مستعدا لذلك وكان بعض الصالحين ينادي بالليل على سور المدينة الرحيل الرحيل فلما توفي فقد صوته أمير تلك المدينة فسأل عنه فقيل : إنه مات فقال :
جزء : 2 رقم الصفحة : 122
ما زال يلهج بالرحيل وذكره
حتى أناخ ببابه الجمال
فأصابه متيقظا متشمرا
ذا أهبة لم تلهه الآمال