واعلم أن الغلول من الكبائر والغال خائن ومن حاله أن يكون الغالب عليه النفس وهواها والأنبياء منسلخون عن صفات البشرية متصفون بصفات الربوبية معصومون من الرذائل وصفات النفس ودواعي الشيطان قائمون بالله فلا يمكن صدور أمثال ذلك منهم فالنبي في جنة الصفات ومقام الرضوان والغال في جحيم النفس وهاوية الهوى فلا يساوي حال الغال أحوال الأنبياء ولذلك قال : ﴿هم درجات عند الله﴾ .
فعلى العاقل أن يسارع إلى تكميل الدرجات والوصول إلى أحسن الحالات.
قالوا أهل الجنة أربعة أصناف : الرسل والأنبياء ، ثم الأولياء وهم أتباع الرسل على بصيرة وبينة من ربهم ، ثم المؤمنون وهم المصدقون بهم عليهم السلام ، ثم العلماء بتوحيد الله إنه لا إله إلا هو من حيث الأدلة العقلية وهم المراد بأولى العلم في قوله تعالى : ﴿شهد الله﴾ (آل عمران : 18) وفيهم يقول الله : ﴿يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة : 11) وهؤلاء الطوائف الأربع يتميزون في جنات عدن عند رؤية الحق في الكثيب الأبيض وهم فيه على أربعة مقامات : طائفة منهم أصحاب منابر وهي الطبقة العليا الرسل والأنبياء ، والطائفة الثانية هم الأولياء ورثة الأنبياء قولا وعملا وحالا وهم أصحاب الأسرة والعرش ، والطبقة الثالثة العلماء بالله من طريق النظر البرهاني العقلي وهم أصحاب الكرسي ، والطبقة الرابعة هم المؤمنون المقلدون في توحيدهم ولهم المراتب وهم في المحشر مقدمون على أصحاب النظر العقلي وهم في الكثيب يتقدمون على المقلدين :
قيامت كه نيكان باعلى رسند
زقعر ثرا بر ثريا رسند
تراخود بما ندسر ازننك يش
كه كردت بر آيد عملهاى خويش
قيامت كه بازار مينونهند
منازل بأعمال نيكونهد
والخلق متفاوتون في الأعمال وتفاضلهم على مراتب : فمنها بالسن ولكن في الطاعة والإسلام فيفضل الكبير السن على الصغير السن إذا كانا على مترتبة واحدة من العمل.
ومنها بالزمان فإن العمل في رمضان وفي يوم الجمعة وفي ليلة القدر وفي عشر ذي الحجة في عاشوراء أعظم من سائر الأيام والأزمان.
ومنها بالمكان فالصلاة في المسجد الحرام أفضل منها في مسجد المدينة
119
وهي من الصلاة في المسجد الأقصى وهي منها في سائر المساجد.
ومنها بالأحوال فإن الصلاة بالجماعة أفضل من صلاة الشخص وحده.
ومنها بنفس الأعمال فإن الصلاة أفضل من إماطة الأذى.
ومنها في العمل الواحد فالمتصدق على رحمه صاحب صلة رحم وصدقة وكذا من أهدى هدية لشريف من أهل البيت أفضل من أن يهدي لغيره وأحسن إليه ومن الناس من يجمع في الزمن الواحد أعمالا كثيرة فيصرف سمعه وبصره ويده فيما ينبغي في زمان صومه وصدقته بل في زمان صلاته في زمان ذكره في زمان نيته من فعل وترك فيؤجر في الزمان الواحد من وجوه كثيرة فيفضل غيره ممن ليس كذلك.
جزء : 2 رقم الصفحة : 115
بضاعت بندانكه آرى برى
اكر مفلسي شر مسارى برى
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : "ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادي فيه يا ابن آدم أنا خلق جديد وأنا فيما تعمل عليك غدا شهيد فاعمل في خيرا أشهد لك به غدا فأني لوقد مضيت لم ترني أبدا ويقول الليل مثل ذلك" فاعمل يا أخي عمل من يعلم أنه راجع إلى الله وقادم عليه يجازي على الصغير والكبير والقليل والكثيرة وقد قال تعالى : ﴿والله بصيرا بما يعملون﴾ فينبغي أن لا يغفل الإنسان في كل ساعاته.
جزء : 2 رقم الصفحة : 115
﴿لقد من الله على المؤمنين﴾ جواب قسم محذوف أي والله لقد أنعم الله على من آمن مع الرسول عليه السلام من قومه وتخصيصهم بالامتنان مع عموم نعمة البعثة للأسود والأحمر لزيادة انتفاعهم بها ﴿إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم﴾ أي من نسبهم أو من جنسهم عربيا مثلهم ليفقهوا كلامه بسهولة ويكونوا واقفين على حاله في الصدق والأمانة مفتخرين به وفي ذلك شرف عظيم لهم قال الله تعالى : ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ وقرىء من أنفسهم أي أشرفهم فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان من أشرف قبائل العرب وبطونها ﴿يتلوا عليهم ءاياته﴾ أي القرآن بعدما كانوا جهالا لم يسمعوا الوحي ﴿ويزكيهم﴾ أي يطهرهم من دنس الطباع وسوء العقائد والأعمال وأوضار الأوزار ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ أي القرآن والسنة ﴿وإن كانوا من قبل﴾ أي من قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وتزكيته وتعليمه ﴿لفى ضلال مبين﴾ بين لا ريب في كونه ضلالا.
وإن هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن محذوف واللام فارقة بينها وبين النافية.
جزء : 2 رقم الصفحة : 120