تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وما كان لنبى﴾ أي وما صح لنبي من الأنبياء عليهم السلام وما استقام له ﴿أن يغل﴾ أي يخون في المغنم فإن الغلول هو أخذ شيء من مال الغنيمة خفية وخيانة لكونها سببا للعار في الدنيا وللنار في العقبى تنافي منصب النبوة التي هي أعلى المناصب الإنسانة والمراد إما تنزيه ساحة رسول الله عليه السلام عما ظن به الرماة يوم أحد حتى تركوا المركز وأفاضوا في الغنيمة وقالوا : نخشي أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا فهو له ولا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر فقال لهم صلى الله عليه وسلم "ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري" فقالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال صلى الله عليه وسلم "بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم بينكم" وأما المبالغة في النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روى أنه بعث طلائع فغنم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعدهم فقسمها بين الحاضر ولم يترك للطلائع شيئا فنزلت والمعنى ما كان لنبي أن يعطي قوما من العسكر ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بين الكل يالسوية وعبر عن حرمان بعض الغزاة بالغلول تغليظا وتقبيحا لصورة الأمر ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ أي يأت بالذي غل بعينه يحمله على عنقه فيفتضح به على رؤوس الإشهاد وهو كقوله عليه السلام : "من غصب قدر شبر من الأرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين" قال عليه السلام : "من بعثناه على عمل فغل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه" وقال صلى الله عليه وسلم "هدايا الولاة غلول" أي قبول الولاة الهدايا غلول لأنه في معنى الرشوة.

وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : "ألا لا أعرفن أحدكم يأتي ببعير له رغاء وببقر له خوار وشاة لها ثغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا فقد بلغتك" وقيل لأبي هريرة رضي الله عنه : كيف يأتي بما غل وهو كثير كبير بأن غل أموالا جمة فقال : أرأيت من كان ضرسه مثل أحد وفخذه مثل ودقان وساقه مثل جبل ومجلسه ما بين المدينة وريدان يحمل مثل هذا ويجوز أن يراد بما احتمل من وباله وإثمه

جزء : 2 رقم الصفحة : 115

﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت﴾ أي تعطى وافيا جزاء ما كسبت خيرا أو شرا كثيرا أو يسيرا وكان اللائق بما قبله أن يقال : ثم يوفى ما كسب لكنه عمم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه فإنه إذا كان كل كاسب مجزيا بعمله فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى ﴿وهم﴾ أي كل الناس المدلول عليهم بكل نفس ﴿لا يظلمون﴾ بزيادة عقاب أو بنقص ثواب.

﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾ الهمزة

118

للإنكار والفاء للعطف على محذوف والتقدير أمن اتقى فاتبع رضوان الله أي سعى في تحصيله وانتحى نحوه حيثما كان يفعل الطاعات ويترك المنكرات كالنبي ومن يسير بسيرته ﴿كمنا بآء﴾ أي رجع ﴿بسخط﴾ غضب عظيم لا يقادر قدره كائن ﴿من الله﴾ بسبب معاصيه كالغال ومن تدين بدينه والمراد أنهما لا يستويان أي مأوى من باء بسخط من الله ﴿جهنما وبئس المصير﴾ والفرق بينه وبين المرجع أن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى ولا كذلك المرجع.

﴿هم﴾ راجع إلى الموصولين باعتبار المعنى ﴿درجات عند الله﴾ أي طبقات مختلفة متفاوتة في علمه وحكمه تعالى شبهوا في تفاوت الأحوال وتباينها بالدرجات مبالغة وإيذانا بأن بينهم تفاوتا ذاتيا كالدرجات ومراتب الخلق في أعمال المعاصي والطاعات متفاوتة فوجب أن تتفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب لقوله تعالى : ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ (الزلزلة : 7 8) والمعنى ذو درجات ﴿والله بصيرا بما يعملون﴾ من الأعمال ودرجاتها فمجازيهم بحسبها.

جزء : 2 رقم الصفحة : 115

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٩٧