﴿إن ينصركم الله﴾ النصر نوعان : معونة ومنع أي إن يعنكم الله ويمنعكم من عدوكم كما فعل ذلك يوم بدر ﴿فلا غالب لكم﴾ فلا أحد يغلبكم ﴿وإن يخذلكم﴾ الخذلان القعود عن النصرة والإسلام للهلكة أي إن يترككم فلم ينصركم كما فعله يوم أحد ﴿فمن ذا الذى ينصركم﴾ استفهام إنكاري مفيد لانتفاء الناصر ذاتا وصفة بطريق المبالغة ﴿منا بعده﴾ ي من بعد خذلانه وهذا تنبيه على أن الأمر كلهولذا أمر بالتوكل عليه فقال : ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر سواه وآمنوا به من قبل ومن التوكل أن لا تطلب لنفسك ناصرا غير الله تعالى ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعلمك شاهدا غيره.
وعن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يدخل سبعون ألفا من أمتي الجنة بغير حساب" قيل : يا رسول الله من هم قال : "هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" فقال عكاشة بن محصن : يا رسول الله ادع الله تعالى أن يجعلني منهم قال : "أنت منهم" ثم قام آخر فقال : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال : "سبقك بها عكاشة" وقال صلى الله عليه وسلم "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا".
وعن بعضهم قال : كنت في البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدامي واحدا فسارعت حتى أدركته فإذا هو امرأة بيدها ركوة وعكازة تمشي على الرعدة فظننت أنها أعيت فأدخلت يدي في جيبي فأخرجت عشرين درهما فقلت : خذي هذه وامكثي حتى تلحقك القافلة فتكتري بها ثم ائتني الليلة حتى أصلح أمرك فقالت : بيدها هكذا في الهواء فإذا في كفها دنانير فقالت : أنت أخذت الدراهم من الجيب وأنا أخذت الدنانير من الغيب ، قال الحافظ الشيرازي :
جزء : 2 رقم الصفحة : 115
برو ازخانه كردون بدرونان مطلب
كاين سيه كاسه در آخر بكشد مهما نرا
قال القشيري : حقيقة النصر أن ينصرك على نفسك فإنها أعدى عدوك وهي أن يهدم عنك
117
دواعي فتنتها بعواصم رحمته حتى ينفض جنود الشهوات بهجوم وفور المنازلات فتبقى الولاية تعالى خالصة من رعونات الدواعي التي هي أوصاف البشرية وشهوات النفوس وإن يخذلكم فالخذلان التخلية بينه وبين المعاصي فمن نصره قبض على يده عند الهم بتعاطي المكروه ومن خذله ألقى حبله على غاربه ووكله إلى سوء اختياره فيهيم على وجهه في فيافي البعد فتارة يشرق غير محتشم وتارة يغرب غير محترم ومن سيبه الحق فلا آخذ ليده ولا جابر لكسره وعلى الله فليتوكل المؤمنون في وجدان الأمان من هذه الأخطار عند صدق الابتهال وإسبال ثوب العفو على الإجرام عند خلوص الالتجاء بالتبري من الحول والقوة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم :
جهان آفرين كر نه يارى كند
كجابنده رهيز كاري بود