القلب هو الذي لا يتأثر قلبه من شيء فقد لا يكون الإنسان سيىء الخلق ولا يؤذي أحدا ولكنه لا يرق له ولا يرحمهم فظهر الفرق بينهما ﴿انفضوا من حولك﴾ أي لتفرقوا من عندك ولم يسكنوا إليك وتردوا في مهاوي الردي ﴿فاعف عنهم﴾ فيما يتعلق بحقوقك كما عفا الله عنهم ﴿واستغفر لهم﴾ فيما يتعلق بحقوقه تعالى إتماما للشفقة عليهم وإكمالا للبر بهم ﴿وشاورهم فى الامر﴾ أي استخرج آراءهم واعلم ما عندهم في أمر الحرب إذ هو المعهود أو فيه وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورة عادة استظهارا بآرائم وتطييبا لقلوبم ورفعا لأقدارهم وتمهيدا لسنة المشاورة للأمة ﴿فإذا عزمت﴾ أي عقيب المشاورة على شيء واطمأنت به نفسك ﴿فتوكل على الله﴾ في إمضاء أمرك على ما هو أرشد وأصلح فإن ما هو أصلح لك لا يعلمه إلا الله لا أنت ولا من تشاور ﴿إن الله يحب المتوكلين﴾ عليه تعالى فينصرهم ويرشدهم إلى ما فيه خير لهم وصلاح والتوكل تفويض الأمر إلى الله والاعتماد على كفايته.
قال الإمام : دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه كما يقوله بعض الجهال وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل بل التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعول على عصمة الحكمة.
جزء : 2 رقم الصفحة : 115
واعلم أن الله تعالى بين أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يتفرقون عنه لو كان فظا غليظا مع أن اتباعه دين وفراقه كفر فكيف يتوقع من يعامل الناس على خشونة اللفظ مع قسوة القلب أن ينقاد الناس كلهم له ويتابعوه ويطاوعوه فاللين في القول أنفذ في القلوب وأسرع إلى الإجابة وادعى إلى الطاعة ولذلك أمر الله موسى وهارون به فقال : ﴿فقولا له قولا لينا﴾ بنرمي زدشمن توان كند وست
وبادوست سختي كنى دشمن اوست
وسندان كسى سخت رويى نبرد
كه خايسك تأديب بر سر نخورد
قال الإمام في تفسيره : اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله فأما إذا أدى إلى ذلك لم يجز قال الله تعالى : يا اأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} (التوبة : 73) وقال للمؤمنين في إقامة حد الزنى ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله﴾ والتحقيق أن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان والفضيلة في الوسط فورود الأمر بالتغليظ مرة وأخرى بالنهي عنه إنما كان لأجل أن يتباعد عن الإفراط والتفريط فيبقى على الوسط الذي هو الصراط المستقيم ولهذا السر مدح الله تعالى الوسط فقال : ﴿وكذالك جعلناكم أمة وسطا﴾ (البقرة : 143) قال عليه السلام : "لا تكن مر فتعقي ولا حلوا فتسترط".
ونرمى كنى خصم كردد دلير
وكر خشم كيرى شوند ازتوسير
درشتى ونرمى بهم در بهست
ورك زن كه جراح ومرهم نهست
واعلم أن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكليف الله إلى الخلق وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه وسكنت نفوسهم لديه وهذا لا يتم إلا إذا كان كريما رحيما يتجاوز عن ذنبهم ويعفو عن إساءتهم ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول متبرئا من سوء الخلق وحيث يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء كثير القيام بإعانة الفقراء كثير التجاوز عن سيآتهم كثير الصفح
116
عن زلاتهم فلهذا المعنى قال : ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب انفضوا من حولك﴾ (آل عمران : 159) ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة وهكذا ينبغي أن يكون علماء الآخرة الوارثون والمشايخ فإن الناس على دين متبوعهم في الظاهرة والباطن وقلما يوجد من يتصف بالأخلاق الحسنة من المشايخ والعلماء في هذا الزمان ، إلا من عصمه الله وهداه إلى التمسك بالشريعة والتحقق بآداب الحقيقة وهذه الحال ليست إلا لواحد بعد واحد.
جزء : 2 رقم الصفحة : 115
روي أنه خلا بأحنف المضروب به المثل في الحلم رجل فسبه سبا قبيحا فقام الأحنف وهو يتبعه فلما وصل إلى قومه وقف وقال : يا أخي إن كان قد بقي من قولك فضلة فقل الآن ولا يسمعك قومي فتؤذى فانظر إلى خلق الأحنف كيف عامل مع الرجل وجامل وقال له رجل دلني على المروة فقال : عليك بالخلق الفسيح والكف عن القبيح.
قال نجم الدين الكبرى في "تأويلاته" : كل لين يظهر في قلوب المؤمنين بعضهم على بعض فهو رحمة الله ونتيجة لطفه مع عباده لا من خصوصية أنفسهم فإن النفس لأمارة بالسوء وإن كانت نفس الأنبياء عليهم السلام انتهى.
وفي هذا الكلام تنبيه على أن الأنبياء وإن كان سلوكهم من النفس المطمئنة إلى الراضية والمرضية والصافية إلى أن بلغوا مبلغ النبوة والرسالة لكن نفوسهم متصفة بالأمارية كسائر الناس ولكن الله يعصمهم من مقتضاها فافهم فإنه محل اعتبار وإمعان.