تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ولئن قتلتم فى سبيل الله أو متم﴾ في سبيله وأنتم مؤمنون واللام هي الموطئة للقسم المحذوف وجوابه قوله تعالى : ﴿لمغفرة من الله ورحمة﴾ وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده لكونه دالا عليه والمعنى أن السفر والغزو ليس مما يجلب الموت ويقدم الأجل أصلا ولئن وقع ذلك بأمر الله تعالى لنفحة يسيرة من مغفرة ورحمة كائنتين من الله تعالى بمقابلة ذلك ﴿خير مما يجمعون﴾ أي الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم.

فإن قيل كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما يجمعون ولا خير فيما يجمعون أصلا.

قلنا أن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيرا وأيضا هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات فقيل : المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات ﴿ولاان متم أو قتلتم﴾ أي

114

على أي وجه اتفق هلاككم حسب تعلق الإرادة الإلهية ﴿لالى الله﴾ أي إلى المعبود بالحق العظيم الشان الواسع الرحمة الجزيل الإحسان ﴿تحشرون﴾ لا إلى غيره فيوفي أجوركم ويجزل لكم عطاياكم.

واعلم أن هذه الآيات على ترتيب أنيق فإنه قال في الآية الأولى ﴿لمغفرة من الله﴾ وهي التجاوز عن السيآت وذلك إشارة إلى من يعبد الله خوفا من عقابه ثم قال ﴿ورحمة﴾ وهي التفضل بالمثوبات وهو إشارة إلى من يعبده ثوابه ثم قال في آخر الآية ﴿لالى الله تحشرون﴾ وهو إشارة إلى من يعبد الله لمجرد الربوبية والعبودية وهذا أعلى المقامات ، قال عبد الرحمن الجامي :

جانا زدرتو دور نتوانم بود

قانع ببهشت وحور نتوانم بود

سربر در توبحكم عشقم نه بمزد

زين دره كنم صبور نتوانم بود

فبين الحشر إلى مغفرة الله والحشر إلى الله فرق كثير.

روي أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم ورأى عليهم آثار العبادة فقال : ماذا تطلبون فقالوا : نخشى عذاب الله فقال : هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا : نطلب الجنة والرحمة فقال : هو أكرم من أن يمنعكم رحمته ثم مر بقوم ثالث ورأى آثار العبودية عليهم أكثر فسألهم فقالوا : نعبده لأنه الهنا ونحن عبيده لا لرغبة ولا لرهبة فقال : أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحقون.

جزء : 2 رقم الصفحة : 114

كركند جاي بدل عشق جمال ازلت

شم اميد بحوران بهشتي ننهى

كى مسلم شودت عشق جمال ازلى

تابر آفاق همه تهمت زشتى ننهى

حكي أن امرأة قالت لجماعة : ما السخاء عندكم قالوا : بذل المال قالت هو سخاء أهل الدنيا والعوام فما سخاء الخواص قالوا : بذل المجهود في الطاعة قالت : ترجون الثواب قالوا : نعم قالت : تأخذون العشرة بواحد لقوله تعالى : ﴿من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ (الأنعام : 160) فأين السخاء؟ قالوا : فما عندك؟ قالت : العمللا للجنة ولا للنار ولا للثواب وخوف العقاب وذلك لا يمكن إلا بالتجريد والتفريد والوصول إلى حقيقة الوجود.

فعلى السالك أن يعرض عن الدنيا والآخرة ويقبل على الله حتى يكشف عن وجهه الحجاب ويصل إلى رب الأرباب.

قال الإمام في تفسيره : الإنسان إذا توجه إلى الجهاد أعرض قلبه عن الدنيا وأقبل على الآخرة فإذا مات فكأنه تخلص من العدو ووصل إلى المحبوب وإذا جلس في بيته خائفا من الموت حريصا على جمع الدنيا فإذا مات فكأنه حجب عن المعشوق وألقي في دار الغربة ولا شك في كمال سعادة الأول وكمال شقاوة الثاني انتهى فحشر الغافلين بالحجاب وحشر الواصلين بإظهار الجناب فمن كان في هذه الدنيا أعمى بحب المال والمنال كان في الآخرة محجوبا عن مشاهدة الجمال.

جزء : 2 رقم الصفحة : 114

﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ ما مزيدة للتأكيد أي فبرحمة عظيمة لهم كائنة من الله تعالى وهي ربطه على جأشه وتخصيصه بمكارم الأخلاق كنت لين الجانب لهم وعاملتهم بالرفق والتلطف بعدما كان منهم ما كان من مخالفة أمرك وإسلامك للعدو ﴿ولو﴾ لم تكن كذلك بل ﴿كنت فظا﴾ جافيا في المعاشرة قولا وفعلا ﴿غليظ القلب﴾ قاسيه غير رقيق.

فالفظ سيء الخلق وغليظ

115

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٩٤