﴿يقولون﴾ بدل من يظنون أي رسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة الاسترشاد ﴿هل لنا من الامر﴾ أي : من أمر الله تعالى ووعده من النصر والظفر ﴿من شىء﴾ من نصيب قط ﴿قل إن الامر كله﴾ أي : الغلبة بالآخرة تعالى ولأوليائه فإن حزب الله هم الغالبون ﴿يخفون فى أنفسهم ما لا يبدون لك﴾ حال من ضمير يقولون أي مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب ﴿يقولون﴾ كأنه قيل أي شيء يخفون فقيل : يحدثون أنفسهم أو يقول بعضهم لبعض فيما بينهم خفية ﴿لو كان لنا من الامر شىء﴾ كما وعد محمد صلى الله عليه وسلم من أن الغلبةولأوليائه وأن الأمر كله﴿ما قتلنا هاهنا﴾ ما غلبنا أو ما قتل من قتل منا في هذه المعركة على أن النفي راجع إلى نفس القتل لا إلى وقوعه فيها فقط أولو كان لنا اختيار في الخروج وتدبير لم نبرح كما كان رأى ابن أبي وغيره ﴿قل﴾ يا محمد تكذيبا لهم وإبطالا لمعاملتهم ﴿لو كنتم فى بيوتكم﴾ أي لو لم تخرجوا إلى أحد وقعدتم بالمدينة كما تقولون ﴿لبرز﴾ أي لخرج ﴿الذين كتب عليهم القتل﴾ أي في اللوح المحفوظ بسبب من الأسباب الداعية إلى البروز ﴿إلى مضاجعهم﴾ إلى مصارعهم التي قدره الله تعالى فيها وقتلوا هناك البتة ولم تنفع العزيمة على الإقامة بالمدينة قطعا فإن قضاء الله لا يرد وحكمه لا يعقب ﴿وليبتلى الله ما فى صدوركم﴾ علة لفعل مقدر قبلها معطوفة على علل لها أخرى
112
مطوية للإيذان بكثرتها كأنه قيل فعل ما فعل لمصالح جمة وليتبلي أي ليعاملكم معاملة من يبتلي ما في صدوركم من الإخلاص والنفاق ويظهر ما فيها من السرائر ﴿وليمحص ما فى قلوبكم﴾ من مخفيات الأمور ويكشفها أو يخلصها من الوساوس ﴿والله عليما بذات الصدور﴾ أي السرائر والضمائر التي لا تكاد تفارق الصدور بل تلازمها وتصاحبها.
جزء : 2 رقم الصفحة : 112
﴿إن الذين تولوا﴾ اعرضوا ﴿منكم يوم التقى الجمعان﴾ من المسلمين والكافرين وهم الذين انهزموا يوم أحد ﴿إنما استزلهم الشيطان﴾ أي إنما كان سبب انهزامهم أن الشيطان طلب منهم الزلل ودعاهم إليه ﴿ببعض ما كسبوا﴾ من الذنوب والمعاصي التي هي مخالفة أمر النبي عليه السلام وترك المركز والحرص على الغنيمة والحياة فحرموا التأييد وقوة القلب ﴿ولقد عفا الله عنهم﴾ لتوبتهم واعتذارهم ﴿أن الله غفور﴾ للذنوب ﴿حليم﴾ لا يعاجل بعقوبة المذنب ليتوب والنكتة فيه أن الشيطان خلق من النار فبالشيطان ونار وسوسته استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم وهذا قوله عليه الصلاة والسلام : "لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" ليعلم أن تعالى في كل شيء من الخير والشر أسرارا لا يبلغ كنهها إلا هو ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء والشيطان لا يقدر على إغواء المخلصين من أهل اليقين والنورانيين وما لم يكن في اللب ظلمة وشوب من الهوى بسبب ارتكاب الذنوب لم يكن له مجال للوسوسة فالسالكون الذين نجوا من ظلمات النفس لا يقدر الشيطان أن يقرب منهم فضلا عن وسوستهم.