﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ نصب على أنه مفعول ثان لصدق صريحا أو بنزع الجار أي في وعده.
نزلت حين قال ناس من المؤمنين عند رجوعهم إلى المدينة : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله بالنصر؟ وهو ما وعدهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من النصر حيث قال للرماة لا تبرحوا مكانكم فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان وقد كان كذلك فإن المشركين لما أقبلوا جعل الرماة يرشقون نبلهم والباقون يضربون بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم قتلا ذريعا وذلك قوله تعالى : ﴿إذ تحسونهم﴾ أي تقتلونهم قتلا كثيرا فاشيا من حسه إذا أبطل حسه وذلك يكون بالقتل وهو ظرف لصدقكم ﴿بإذنه﴾ ملتبسين بمشيئته وتيسيره وتوفيقه حال من فاعل تحسونهم ﴿حتى﴾ ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية ﴿إذا فشلتم﴾ أي جبنتم وضعف رأيكم أو ملتم إلى الغنيمة فإن الحرص من ضعف القلب ﴿وتنازعتم فى الامر﴾ أي في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فقال بعض الرماة حين انهزم المشركون وولوا هاربين والمسلمون على أعقابهم قتلا وضربا : فما موقفنا هذا؟ وقال رئيسهم عبد الله بن جبير : لا نخالف أمر الرسول عليه الصلاة والسلام فثبت مكانه في نفر دون العشرة من أصحابه ونفر الباقون للنهب وذلك قوله تعالى : ﴿وعصيتم منا بعد مآ أراكم ما تحبون﴾ أي من الظفر والغنيمة وانهزام العدو فلما رأى المشركون ذلك حملوا عليهم من قبل الشعب وقتلوا أمير الرماة ومن معه من أصحابه وقد سبق وقيد العصيان بما بعده تنبيها على عظم المعصية لأنهم لما شاهدوا أن الله تعالى أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية وجواب إذا محذوف وهو منعكم نصره
جزء : 2 رقم الصفحة : 110
﴿منكم من يريد الدنيا﴾ وهم الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب قال ابن مسعود رضي الله عنه ما علمت أن أحدا منا يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية ﴿ومنكم من يريد الاخرة﴾ وهم الذي ثبتوا مكانهم حتى نالوا شرف الشهادة ﴿ثم صرفكم عنهم﴾ عطف على الجواب المحذوف كما أشير إليه أي ردكم عن الكفار وكفكم بالهزيمة بعد أن أظفركم عليهم فحالت الريح دبورا بعدما كانت صبا ﴿ليبتليكم﴾ أي يعاملكم معاملة من يمتحنكم ليظهر ثباتكم على الإيمان عندها ﴿ولقد عفا عنكم﴾ تفضلا أو لما علم من ندمكم على المخالفة ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾ أي شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال أديل لهم أو أديل عليهم إذ الابتلاء أيضا رحمة بحسب اقتضاء أحوالهم ذلك.
﴿إذ تصعدون﴾ متعلق بصرفكم.
والإصعاد الذهاب والإبعاد في الأرض ﴿ولا تلوان على أحد﴾ أي : لا تلتفتون إلى ما وراءكم ولا يقف واحد منكم لواحد ﴿والرسول يدعوكم﴾ كان صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلي عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة أمرا
110
بالمعروف ونهيا عن المنكر وهو الانهزام وترك قتال الكفار لا استعانة بهم ﴿فى أخرااكم﴾ في ساقتكم وجماعتكم الأخرى والمعنى أنه عليه السلام كان يدعوهم وهو واقف في آخرهم لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه ﴿فأثابكم﴾ عطف على صرفكم أي فجازاكم الله بما صنعتم ﴿غما﴾ موصولا ﴿بغم﴾ من الاغتمام بالقتل والجرح وظفر المشركين والإرجاف بقتل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو غما بمقابلة غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له ﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا مآ أصابكم﴾ أي لتتمرنوا على الصبر في الشدائد وتعتادوا تجرع الغموم فلا تحزنوا على نفع فات أو ضر آت ﴿والله خبيرا بما تعملون﴾ أي عالم بأعمالكم وبما قصدتم بها.
جزء : 2 رقم الصفحة : 110
واعلم أن الصبر واليقين والتوكل على الله والاتقاء عن ميل الدنيا وزخارفها ومخالفة الرسول مستلزم لامداد النصر والظفر والفشل والتنازع والميل إلى الدنيا وعصيان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم موجب للابتلاء والصرف عن العدو فمن أراد النصرة على الأعداء الظاهرة والباطنة لا يسلك طريقا غير ما عينه الشارع ويرضى بالابتلاء ولا يغتم لآخرته بل يجد غم طلب الحق ألذ من نعيم الدنيا والآخرة ويصبر على مقاساة الشدائد في باب الدين.
صبر آرد آرزوراني شتاب
صبركن والله أعلم بالصواب
قال ذو النون قدس سره العزيز : أن أدنى منازل المريد أن الله تعالى لو أدخله النار وأحاط به عذابه مع هذه الإرادة لم يزدد قلبه إلا حبا له وأنسا به وشوقا إليه وكانت الجنة عنده أصغر في جنب إرادته من خردلة بين السماء والأرض فعلى السالك أن يذيق نفسه مرارة الطاعة ويدخلها في باب التسليم ليكون عند الله مما له قدر وسبق.