عليهم ﴿ما لم ينزل به﴾ أبي بإشراكه ﴿سلطانا﴾ أي حجة وبرهانا وما مفعول بوقوع أشركوا عليه أي آلهة ليس على إشراكها حجة ولم ينزل عليهم به سلطانا وأصل السلطان القوة فسلطان الملك قوته وسلطان المدعى حجته وبها يقوي على دفع المبطل.
وفيه إيذان بأن المتبع في الباب هو البرهان السماوي دون الآراء والأهواء الباطلة ﴿ومأواهم﴾ أي ما يأوون إليه في الآخرة ﴿النار﴾ لا ملجأ لهم غيرها ﴿وبئس مثوى الظالمين﴾ والمخصوص بالذم محذوف أي النار وفي جعلها مثواهم بعد جعلها مأواهم نوع رمز إلى خلودهم فيها فإن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان.
جزء : 2 رقم الصفحة : 108
والإشارة أن الله تعالى هو الذي يلقي الرعب والأمن والرغبة والرهبة وغير ذلك في قلوب العباد كما قال عليه السلام : "قلوب العباد بيد الله يقلبها كيف يشاء" وقال : "ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمة إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه" فعلى العبد أن يتضرع إلى الله ويسأل منه الغلبة على النفوس الكافرة خصوصا النفس الأمارة فإنه إن اتبع هواها وأطاعها في مشتهاها ترده إلى أسفل سافلين البشرية فينقلب خاسرا.
نمى تازد اين نفس سركش نان
كه عقلش تواند كرقتن عنان
كه بانفس وشيطان بر آيد بزور
مصاف لنكان نيايد زمور
قال الشيخ أبو علي الروذبادي قدس سره : دخلت الآفة من ثلاثة : سقم الطبيعة ، وملازمة العادة ، وفساد الصحبة.
فقيل له ما سقم الطبيعة؟ قال : أكل الحرام.
فقيل : وما ملازمة العادة؟ قال : النظر والاستماع بالحرام والغيبة.
فقيل : فما فساد الصحبة؟ قال : كلما هاج في النفس شهوة تتبعها ومن لم يصحبه في هذا الباب توفيق من ربه كان متروكا في ظلمة نفسه ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿بل الله مولااكم﴾ أي يخرجكم من ظلمات البشرية إلى أنوار الربوبية فمن اتبع هواه وجعله مولى لنفسه فكيف يصاحبه الخروج من الظلمات وإنما سببه أن ينقطع العبد إلى مولاه الحقيقي ولا يعبد إلا إياه.
حكي عن الأصمعي أنه قال : إن فتى جميلا خرج في سفر له فوقع في فلاة من الأرض وصاحبته امرأة فعشقته فقالت : أيها الفتى هل تحسن شيئا من الشعر؟ قال : نعم قالت : قل فأنشد :
ولست من النساء ولسن مني
ولا أبغي الفجور إلى الممات
فلا لا تطمعي فيما لدينا
ولو قد طال سير في الفلاة
فإن الله يبصر فوق عرش
ويغضب للفعال الموبقات قالت : دعنا من شعرك هل تقرأ شيئا من القرآن؟ قال : نعم قالت : قل فقرأ قول الله تعالى ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما ما ئة جلدة﴾ (النور : 2) قالت دعني من قراءتك هذه فرجعت وهي خائبة فانظر إلى حال الفتى وتوقيه عن شهوته كيف صبر عن المعصية والله يحب الصابرين (جوان ست مي بايدكه از شهوت برهيكه يرسست رغبت را خود آلت برنمي خيزد) ولذلك قال بعض المشايخ : من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة وذلك لأن الزهد بعد الأربعين بارد لا يثمر نفعا كثيرا ولا يغرنك هذا الخبر ويحملك على
109
التكاسل فإن المرء لا يصل إلى حيث يسقط عنه الأمر والنهي والغرض هو العبادة إلى أن يأتي اليقين فالشبان والشيوخ في باب التكليف متساوون وربما يتدارك في الشيخوخة ما لا يتدارك في الشاب ، قال الحافظ الشيرازي :
اي دل شباب رفت ونيدي كلى زعمر
يرانه سربكن هنرى ننك ونام را
جزء : 2 رقم الصفحة : 108