﴿الذين﴾ كأنه قيل من أولئك المتقون الفائزون الكرامات السنية فقيل هم الذين ﴿يقولون ربنآ إننآ ءامنا﴾ أي صدقنا بك وبنبيك وفي ترتيب الدعاء بقولهم ﴿فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار﴾ على مجرد الإيمان دلالة على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار ﴿الصابرين﴾ نصب على المدح بإضمار أعني والمراد بالصبر هو الصبر على مشاق الطاعات وعلى البأساء والضراء وحين البأس ﴿والصادقين﴾ في أقوالهم ونياتهم وعزائمهم ﴿والقانتين﴾ أي : المداومين على الطاعات المواظبين على العبادات ﴿والمنافقين﴾ أموالهم في سبيل الله ﴿والمستغفرين بالاسحار﴾ وتوسط الواو بين الصفات المذكورة مؤذن بأن كل صفة مستقلة بالمدح ومؤذن بأن منهم صابر ومنه صادق.
ثم الصبر حبس النفس عن شهواتها المحظورة في الشرع.
وجميع أجناس الصبر ثلاثة : الصبر على الطاعة ، والصبر على المعصية ، والصبر على المكروه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم "من صبر على مصيبة فله ثلاثمائة درجة وبين الدرجتين كما بين السماء والأرض ومن صبر على الطاعة فله ستمائة درجة ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ومن صبر على المعصية فله تسعمائة درجة بين الدرجتين كما بين العرش والكرسي".
والصدق يجري في القول وهو مجانبة الكذب وفي الفعل وهو إتيانه وترك الإنصراف عنه قبل تمامه وفي النية وهو العزم عليه حتى يفعل.
والإنفاق يتناول الإنفاق على نفسه وأهله وأقاربه وصلة رحمه وفي الجهاد وسائر وجوه البر.
والاستغفار سؤال المغفرة من الله وتخصيص الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء أقرب إلى الإجابة إذ العبادة حينئذ أشق والنفس أصفى والروح أجمع لا سيما للمجتهدين.
قال مجاهد في قول يعقوب عليه السلام :
جزء : 2 رقم الصفحة : 9
﴿سوف أستغفر لكم ربى﴾ (يوسف : 98) أخره إلى وقت السحر فإن الدعاء فيه مستجاب وقال : إن الله تعالى لا يشغله صوت عن صوت لكن الدعاء في السحر دعوتي في الخلوة وهي أبعد من الرياء والسمعة فكانت أقرب إلى الإجابة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل فيقول : أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فاغفر له" ومعنى ينزل محمول على نزول ملكه أو على الاستعارة فمعناه الإقبال على الداعين باللطف والإجابة ولهذا قال إلى السماء الدنيا أي القربى.
وفي هذا الكلام توبيخ لهم على غفلتهم في الدعاء والسؤال منه والاستغفار.
قال لقمان لابنه : يا بني لا تكونن أعجز من هذا الديك يصوت بالأسحار وأنت نائم على فراشك.
دلابر خيز وطاعت كن كه طاعت به زهر كارست
سعادت آن كسى دار دكه وقت صبح بيدارست
خروسان در سحر كويندكه قم يا أيها الغافل
تواز مستي نمى داني كسى داندكه هشياراست
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما أسري بي إلى السماوات رأيت عجائب من عجائب الله تعالى فمن ذلك أن في السماء الدنيا ديكا له زغب أخضر وريش أبيض وبياض ريشه كأشد بياض رأيته وزغبة تحت ريشه كأشد خضرة رأيتها فإذا رجلاه في تخوم الأرض السابعة السفلى وإذا رأسه عند عرش الرحمن ثاني عنقه تحت العرش له جناحان في منكبيه إذا نشرهما جاوز المشرق والمغرب فإذا كان بعض الليل نشر جناحيه وخفق بهما وصرخ بالتسبيح لله يقول :
11
سبحان الملك القدوس سبحان الكريم" أو قال : "الكبير المتعال لا إله إلا الله الحي القيوم فإذا فعل ذلك سبحت ديكة الأرض كلها وخفقت بأجنحتها فإذا سكن ذلك الديك سكنت ديكة الأرض كلها ثم إذا كان بعض الليل نشر جناحيه فجاوز بهما المشرق والمغرب وخفق بهما ثم صرخ بالتسبيحيقول : سبحان الله العلي العظيم سبحان العزيز القهار سبحان الله رب العرش الرفيع فإذا فعل ذلك سبحت ديكة الأرض بمثل قوله وخفقت بأجنحتها وأخذت في الصراخ وإذا سكن ذلك الدين سكنت ديكة الأرض ثم إذا هاج بنحو فعله في السماء هاجت الديكة في الأرض يجاوبونه تسبيحاتعالى بنحو قوله" والمقصود من هذا أن التسبيح إذا كان من فعل أهل السماء والأرض خصوصا الحيوانات العجم بل النباتات كما قال تعالى : ﴿وإن من شىء إلا يسبح بحمده﴾ (الإسراء : 44) فإن الإنسان أولى بأن يشتغل بالدعاء والتسبيح خصوصا في الخلوات وأوقات الأسحار.
جزء : 2 رقم الصفحة : 9
قال الإمام القشيري رحمه الله : الصابرين على ما أمر الله والصادقين فيما عاهدوا الله والقانتين بالاستقامة في محبة الله والمنفقين في سبيل الله والمستغفرين من جميع ما فعلوا لرؤية تقصيرهم.
جزء : 2 رقم الصفحة : 9