تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿شهد الله أنه﴾ بأنه ﴿لا إله إلا هو﴾ نزلت حين جاء رجلان من أحبار الشام فقالا للنبي عليه السلام أنت محمد قال : "نعم" فقالا : أنت أحمد قال : "أنا محمد وأحمد" قالا : أخبرنا عن أعظم الشهادة في كتاب الله فأخبرهما أي : أثبت الله بالحجة القطعية وأعلم بمصنوعاته الدالة على توحيده أنه واحد لا شريك له في خلقه الأشياء إذ لا يقدر أحد أن ينشىء شيئا منها.

قال ابن عباس : خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة فشهد لنفسه قبل خلق الخلق حين كان ولم يكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر فقال : ﴿شهد الله﴾ الآية ﴿والملائكة﴾ عطف على الاسم الجليل بحمل الشهادة على معنى مجازي شامل للإقرار والإيمان بطريق عموم المجاز أي : أقرت الملائكة بذلك لما عاينت من عظم قدرته ﴿وأولوا العلم﴾ أي : آمنوا به واحتجوا عليه بالأدلة التكوينية والتشريعية وهم الأنبياء والمؤمنون الذين علموا توحيده وأقروا به اعتقادا صحيحا فشبه دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره تعالى وإقرار الملائكة وأولي العلم بذلك بشهادة الشاهد في البيان والكشف ﴿قائما بالقسط﴾ نصب على الحال المؤكدة من هو دون من ذكر معه لأمن اللبس إذ القيام بالقسط من الصفات الخاصة به تعالى ومثله جاء زيد وهند راكبا جاز لأجل التذكير ولو قلت : جاء زيد وعمرو راكبا لم يجز للبس أي : مقيما بالعدل في قسمة الأرزاق والآجال والإثابة والمعاقبة وما يأمر به عباده وينهاهم عنه من العدل والتسوية فيما بينهم ودفع الظلم عنهم

جزء : 2 رقم الصفحة : 12

﴿لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ كرر المشهود به لتأكيد التوحيد ليوحدوه ولا يشركوا به شيئا لأنه ينتقم ممن لا يوحده بما لا يقدر على مثله منتقم ويحكم ما يريد على جميع خلقه لا معقب لحكمه لغلبته عليهم ﴿إن الدين عند الله الاسلام﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى أي : لا دين مرضيا تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيد والتشرع بالشريعة الشريفة وهو الدين الحق منذ بعث الله آدم عليه السلام وما سواه من الأديان فكلها باطلة.

قال : شيخنا العلامة في بعض تحريراته : المقصود من إنزال الكلام مطلق الدعوة إلى الدين الحق

12

والدين الحق من زمن آدم إلى نبينا عليهما الصلاة والسلام الإسلام كما قال تعالى : ﴿إن الدين عند الله الاسلام﴾ وحقيقة دين الإسلام التوحيد وصورته الشرائع التي هي الشروط وهذا الدين من ذلك الزمان إلى يوم القيامة واحد بحسب الحقيقة وسواء بين الكل ومختلف بحسب الصورة والشروط وهذا الاختلاف الصوري لا ينافي الإتحاد الأصلي والوحدة الحقيقة انتهى.

وعن قتادة أن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء من عند الله.

وعن غالب القطان قال : أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش فكنت أختلف إليه فلما كنت ذات ليلة أردت أن أحدر إلى البصرة قام من الليل متهجدا فمر بهذه الآية ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسطا لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ قال الأعمش وأنا أشهد بما شهد الله به واستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة أن الدين عند الله الإسلام قاله مرارا قلت : لقد سمع فيها شيئا فصليت معه وودعته ثم قلت : آية سمعتك ترددها فما بلغك فيها قال : والله لا أحدثك بها إلى سنة فلبثت على بابه من ذلك اليوم فأقمت سنة فلما مضت السنة قلت : يا أبا محمد قد مضت السنة قال : حدثني أبو وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله : إن لعبدي هذا عندي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد ادخلوا عبدي الجنة" ويناسب هذا ما يقال عهدنا .

عن أبي مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم : "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا" قالوا : وكيف ذلك؟ قال : "يقول كل صباح ومساء : "اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك وأنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع" أي : ختم عليه بخاتم "ووضع تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذي لهم عند الله عهد فيدخلون الجنة" فلا بد من الدعاء في الصبح والمساءالذي هو خالق الأرض والسماء ومن الإخلاص الذي هو ملاك الأمر كله في طاعة المرء وعمله :

جزء : 2 رقم الصفحة : 12

عبادت بإخلاص نيت نكوست

وكرنه ه آيد زبى مغزوست

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ١٠