﴿زين للناس﴾ أي حسن لهم والمزين هو الله لقوله تعالى : ﴿زينا لهم أعمالهم﴾ (النمل : 4) وذلك على جهة الامتحان أو هو الشيطان لقوله تعالى : ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم﴾ (النمل : 24) وذلك على جهة الوسوسة ﴿حب الشهوات﴾ أي : محبة مرادات النفوس والشهوة نزوع النفس إلى ما تريده وهي مصدر أريد به المفعول أي المشتهيات لأن الأعيان التي ذكرها كلها مشتهيات وإنما عبر عنها بالمصدر مبالغة في كونها مشتهاة مرغوبا فيها كأنها نفس الشهوات والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية.
قالوا : خلق الله الملائكة عقولا بلا شهوة والبهائم ذات شهوات بلا عقل وجعلهما في الإنسان فمن غلب عقله شهوته فهو أفضل من الملائكة ومن غلب عليه شهوته فهو أرذل من البهائم ﴿من النسآء﴾ حال من الشهوات
9
أي حال كونها من طائفة النساء وإنما بدأ بهن لعراقتهن في معنى الشهوات فإنهن حبائل الشيطان ﴿والبنين﴾ والفتنة بهم أن الرجل يحرص بسببهم على جمع المال من الحلال والحرام ولأنهم يمنعونه عن محافظة حدود الله.
قيل : أولادنا فتنة إن عاشوا فتنونا وإن ماتوا أحزنونا وعدم التعرض للبنات لعدم الاطراد في حبهن ﴿والقناطير المقنطرة﴾
جزء : 2 رقم الصفحة : 9
جمع قنطار وهو المال الكثير أي الأموال الكثيرة المجتمعة أو هو مائة ألف دينار أو ملىء مسك ثور أو سبعون ألفا أو أربعون ألف مثقال أو ثمانون ألفا أو مائة رطل أو ألف ومائتا مثقال أو ألف دينار أو مائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم أو دية النفس.
وفي الكشاف المقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم ألوف مؤلفة وبدر مبدرة ﴿من الذهب والفضة﴾ بيان للقناطير أي من هذين الجنسين وإنما سمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى والفضة لأنها تنفض أي تتفرق ﴿والخيل﴾ عطف على القناطير.
والخيل جمع لا واحد له من لفظه واحده فرس وهو مشتق من الخيلاء لاختيالها في مشيها أو من التخيل فإنها لم يتخيل في عين صاحبها أعظم منها لتمكنها من قلبه ﴿المسومة﴾ أي المعلمة وهي التي جعلت فيها العلامة بالسيمة واللون أو بالكي أو المرعية من سامت السائمة أي رعت ﴿والانعام﴾ أي الإبل والبقر والغنم جمع نعم ﴿والحرث﴾ أي الزرع.
قيل : كل منها فتنه للناس.
أما النساء والبنون ففتنة للجميع.
والذهب والفضة فتنة للتجار.
والخيل فتنة للملوك.
والأنعام فتنة لأهل الوادي.
والحرث فتنة لأهل الرساتيق ﴿ذالك﴾ أي ما ذكر من الأشياء المعهودة ﴿متاع الحيواة الدنيا﴾ أي ما يمتنع به في الحياة الدنيا أياما قلائل فيفني سريعا ﴿والله عنده حسن المااب﴾ أي حسن المرجع وهو الجنة.
وفيه دلالة على أن ليس فيما عدد عاقبة حميدة وهذا تزهيد في طيبات الدنيا الفانية وترغيب فيما عند الله من النعيم المقيم فعلى العاقل أن يأخذ من الدنيا قدر البلغة ولا يستكثر بالاستكثار الذي يورط صاحبه في المحظور ويورثه المحذور.
﴿قل﴾ يا محمد ﴿أؤنبئكم بخير من ذالكم﴾ الهمزة للتقرير أي أخبركم بما هو خير مما فصل من تلك المستلذات المزينة لكم ﴿للذين﴾ خبر مبتدأه قوله جنات ﴿اتقوا﴾ والمراد بالتقوى هو التبتل إلى الله تعالى والإعراض عما سواه كما ينبىء عنه النعوت الآتية ﴿عند ربهم﴾ نصب على الحالية من قوله : ﴿جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها﴾ حال مقدرة ﴿وأزواج مطهرة﴾ أي زوجات مبرأة من العيوب الظاهرة كالحيض والامتخاط وإتيان الخلاء ومن الباطنة كالحسد والغضب والنظر إلى غير أزواجهن.
جزء : 2 رقم الصفحة : 9
روي عن النبي عليه السلام "شبر من الجنة خير من الدنيا وما فيها" ﴿ورضوان﴾ أي رضوان وأي رضوان لا يقادر قدره كائن ﴿من الله﴾ قال الحكماء : الجنات بما فيها إشارة إلى الجنة الجسمانية والرضوان إشارة إلى الجنة الروحانية وأعلى المقامات الجنة الروحانية وهي عبارة عن تجلي نور جلال الله تعالى في روح العبد واستغراق العبد في معرفة الله ثم يصير في أول هذه المقامات راضيا عن الله وفي آخرها مرضيا عنده تعالى وإليه الإشارة بقوله : ﴿راضية مرضية﴾ (الفجر : 28) ﴿والله بصيرا بالعباد﴾ وبأعمالهم فيثيب ويعاقب حسبما يليق بها.
10