﴿فااتاهم الله﴾ بسبب دعائهم ذلك ﴿ثواب الدنيا﴾ أي النصر والغنيمة والعز والذكر الجميل ﴿وحسن ثواب الاخرة﴾ أي وثواب آخرة الحسن وهي الجنة والنعيم المخلد وتخصيص وصف الحسن به للإيذان بفضله ومزيته وأنه المعتد به عنده تعالى : ﴿والله يحب المحسنين﴾ ومحبة الله للعبد عبارة عن رضاه عنه وإرادة الخير به فهي مبدأ لكل سعادة.
والإشارة أن الله تعالى لما زاد لخواص عباده كرامة التخلق بأخلاقه ابتلاهم بقتال العدو وثبتهم عند الملاقاة فاستخرج من معادن ذواتهم جواهر صفاته المكنونة فيها المكرمة بها بنوا آدم والصبر والإحسان من صفات الله والله تعالى يحب من تخلق بصفاته ولهذا قال :
107
﴿والله يحب الصابرين﴾ (آل عمران : 146) ﴿والله يحب المحسنين﴾ (آل عمران : 134).
قال الإمام في قوله تعالى : ﴿والله يحب المحسنين﴾ فيه لطيفة دقيقة وهي أن هؤلاء اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين كأنه تعالى يقول لهم : إذا عرفت بإساءتك وعجزك فأنا أصفك بالإحسان وأجعلك حبيبا لنفسي حتى يعلم أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى حضرة الله إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز :
جزء : 2 رقم الصفحة : 106
كنون بايدت عذر تقصير كفت
نه ون نفس ناطق ز كفتن بخفت
تويش ازعقوبت درعفو كوب
كه سودى ندارد فغان زير وب
حكي أن آصف بن برخيا أذنب ذنبا يوما من الأيام فأتى سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام فقال له : ادع الله أن يغفر لي فدعا فغفر له ثم فعل ثانيا فغفر له بدعائه ثانيا ثم وثم إلى أن أوحى الله إلى سليمان عليه السلام أن لا أجيب دعوتك في حقه إن عاد بعد فلم يمكث أن فعل مرة أخرى فجاء إلى سليمان عليه السلام لكي يدعو فأخبره بأن الله لا يغفر له فرفع الرجل فرفع الرجل العصا وخرج إلى الصحراء وضرب العصا إلى الأرض ورفع يده وقال : يا رب أنت أنت وأنا أنا أنت العائد بالمغفرة وأنا العائد بالمعصية أنا الضعيف المجرم وأنت الغفور الرحيم إن لم تعصمني من الذنوب فلأعودن ثم لأعودن كررها حتى غشي عليه فأوحى الله إلى سليمان عليه السلام أن قل لابن خالتك إن عدت فأغفر لك ثم أغفر لك ثم أغفر لك وأنا الغفار.
كنونت كه شمست اشكى ببار
زبان دردهانست عذري بيار
فراشو وبيني در صلح باز
كه ناكه درتوبه كردد فراز
مرو زير باركنه اي سر
كه حمال عاجز بوددر سفر
فلا يغرنك الشيطان بتزيين الدنيا عليك فإنك تعلم فناءها.
وأوحى الله إلى داود عليه السلام (إني منزلك وذريتك إلى دار بنيتها على أربعة أركان : أحدها أن أخرب ما تعمرون.
والثاني أن أقطع ما تصلون.
والثالث أن أميت ما تلدون.
والرابع أن أفرق ما تجمعون) ومن الله العصمة والتوفيق إلى سواء الطريق.
جزء : 2 رقم الصفحة : 106
يا اأيها الذين ءامنوا} نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم ولو كان نبيا لما غلب وقتل فقال تعالى : يا أيها المؤمنون ﴿إن تطيعوا الذين كفروا﴾ وهم المنافقون وصفوا بالكفر قصدا إلى مزيد التنفير عنهم والتحذير من طاعتهم ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ يدخلوكم في دينهم أضاف الرد إليهم لدعائهم إليه والارتداد على العقب علم في انتكاس الأمر ومثل في الحور بعد الكور ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾ كرامة الدنيا وسعادة الآخرة أما الأولى فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد للعدو والتذلل له وإظهار الحاجة إليه وأما الثانية فلأنه يحرم من الثواب المؤيد ويقع في العذاب المخلذ.
﴿بل الله مولااكم﴾ أي ليسوا أنصاركم حتى تطيعوهم بل الله ناصركم لا غيره فأطيعوه واستغنوا به عن موالاتهم ﴿وهو خير الناصرين﴾ فخصوه بالطاعة والاستعانة.
﴿سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب﴾ وهو ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب ولهم القوة والغلبة.
والرعب خوف يملأ القلب ﴿بمآ أشركوا بالله﴾ أي بسبب إشراكهم به تعالى فإنه من موجبات خذلانهم ونصر المؤمنين
108