يعني البدن ليس له قدر بدون الروح فلا بد أن يغنم العاقل أنفاسه قبل أن يخرج الروح من قفصه ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله﴾ استثناء مفرغ من أعم الأسباب أي وما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس بسبب من الأسباب إلا بمشيئته تعالى أو إلا بإذنه لملك الموت في قبض روحها والمعنى أن لكل نفس أجلا مسمى في علمه تعالى وقضائه لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون بالإحجام عن القتال والإقدام عليه.
وفيه تحريض وتشجيع على القتال ووعد الرسول بالحفظ وتأخير الأجل ورد على المنافقين قولهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فالمجاهد لا يموت بغير أجله والمتخلف عنه لا يسلم مع حضور أجله :
جزء : 2 رقم الصفحة : 102
بروز أجل نيزه جوشن درد
ز يراهن بي أجل نكذرد
﴿كتابا﴾ مصدر مؤكد لما قبله إذ المعنى كتب الموت كتابا ﴿مؤجلا﴾ موقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر ولو ساعة وبعد تحقيق أن مدار الموت والحياة على محض مشيئة الله من غير أن يكون فيه مدخل لأحد أصلا أشير إلى أن توفية ثمرات الأعمال دائرة على إرادتهم ليصرفوها عن الأعراض الدنية إلى المطالب السنية فقيل : ﴿ومن يرد﴾ أي بعمله ﴿ثواب الدنيا نؤته منها﴾ أي من ثوابها ما نشاء أن نؤتيه إياه.
وفيه تعريض لمن شغلتهم الغنائم يوم أحد ﴿ومن يرد ثواب الاخرة نؤته منها﴾ أي من ثوابها ما نشاء من الأصناف حسبما جرى به الوعد الكريم ﴿وسنجزى الشاكرين﴾ نعمة الإسلام الثابتين عليه الصارفين ما آتاهم الله من القوى والقدر إلى ما خلقت هي لأجله من طاعة الله لا يلويهم عن ذلك صارف أصلا.
ويدخل في جنس الشاكرين المجاهدين المعهودون من الشهداء في أحد وغيرهم والآية وإن وردت في الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال وذلك لأن المؤثر في طلب الثواب والعقاب المقصود والدواعي لا ظواهر الأعمال فإن من وضع الجبهة على الأرض
105
في صلاة الظهر والشمس قدامه فإن قصد بذلك السجود عبادة الله كان ذلك من أشرف دعائم الإسلام وإن قصد به عبادة الشمس كان ذلك من أعظم دعائم الكفر.
وروى أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام "أن الله تعالى يقول يوم القيامة لمن قتل في سبيل الله فيماذا قتلت؟ فيقول : أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان محارب وقد قيل ذلك ثم إن الله تعالى يأمر به إلى النار" فالمقاتل في سبيل الله تحقيقا هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا للذكر الجميل وإراءة المكان وإصابة الغنيمة.
عبادت بإخلاص نيت نكوست
وكرنه ه آيد زبى مغز وست
بروى ريا خرقه سهلست دوخت
كرش باخدا درتواني فروخت
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه شمله ولا يأتيه منها إلا ما كتب له" وقال أيضا : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" فمن عمل شوقا إلى الجنة فقد رأى نعمة الجنة فثوابه في الآخرة ومن عمل شوقا إلى الحق فقد رأى نعمة وجود المنعم فثوابه في الدنيا لأنه حاضر لا غيبة له قريب لا يبعد وهو معكم أينما كنتم وقال : "ألا من طلبني وجدني ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا".
جزء : 2 رقم الصفحة : 102
خليلي هل أبصرتما أو سمعتما
باكرم من مولى تمشى إلى عبد
أتى زائرا من غير وعد وقال لي
أجلك عن تعذيب قلبك بالوعد فعلى السالك أن يهاجر إلى الله ويجاهد من غير أن يخاف لومة لائمة حتى يصل إلى الله ويتخلص من الإضطرار.
قال القاشاني في تأويلاته : من كان موقنا لسر القدر شاهدا لمعنى قوله تعالى : ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله﴾ كان من أشجع الناس.
حكي عن حاتم الأصم أنه شهد مع شقيق البلخي بعض غزوات خراسان قال : فلقيني شقيق وقد حمي الحرب فقال : كيف تجد قلبك يا حاتم قلت : كليلة الزفاف لا أفرق بين الحالتين فوضع سلاحه وقال : أما أنا فهكذا ووضع رأسه على ترسه ونام بين المعركة حتى سمع غطيطه وهذا غاية في سكون القلب إلى الله تعالى ووثوقه به انتهى فإذا صحح العبد باطنه يسهل الله عليه كل عسير ويسخر له كل ما يخاف منه.
حكي عن إبراهيم الرقي أنه قال : قصدت أبا الخير الخراساني مسلما عليه فصلى صلاة المغرب فلم يقرأ الفاتحة مستويا فقلت في نفسي : ضاعت سفرتي فلما سلمت خرجت للطهارة فقصدني السبع فعدت إليه وقلت : إن الأسد قصدني فخرج وصاح على الأسد وقال : ألم أقل لك لا تتعرض لأضيافي فتنحى فتطهرت فلما رجعت قال : اشتغلتم بتقويم الظواهر فخفتم الأسد واشتغلنا بتقويم القلب فخافنا الأسد.
أوليا محبوب الله است دان