تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من المهاجرين والأنصار فقال لهم ما يحبسكم قالوا : قتل محمد صلى الله عليه وسلم فقال ما تصنعون في الحياة بعده موتوا كراما على ما مات عليه نبيكم ثم أقبل نحو العدو فقاتل حتى قتل قال كعب بن مالك أنا أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين رأيت عينيه من تحت المغفر تزهران ينادي بأعلى صوته "إلي عباد الله إلي عباد الله" فاجتمعوا إليه فلامهم رسول الله على هزيمتهم فقالوا : يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر سوء فرعبت قلوبنا له فولينا مدبرين فوبخهم الله تعالى بقوله : ﴿وما محمد إلا رسول﴾ كسائر الرسل ﴿قد خلت من قبله الرسل﴾ فسيخلوا كما خلوا وكما أن اتباعهم بقوا متمكسين بدينهم بعد خلوهم فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه لأن الغرض من بعثة الرسول الرسالة وإلزام الحجة لا وجوده بين أظهر قومه ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من﴾ إنكار لارتدادهم وانقلابهم عن الدين بخلوه عليه السلام بموت أو قتل بعد علمهم بخلوا الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به ﴿ومن ينقلب على عقبيه﴾ بإدباره عما كان يقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر الجهاد وغيره ﴿فلن يضر الله﴾ بما فعل من الإنقلاب ﴿شياا﴾ أي شيئا من الضرر وإنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب والله منزه عن النفع والضرر ﴿وسيجزى الله الشاكرين﴾ أي الثابتين على دين الإسلام الذي هو أجل نعمة وأعز معروف سموا بذلك لأن الثبات عليه شكر له وإيفاء لحقه وفيه إيماء إلى كفران المنقلبين.

ولما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اضطرب المسلمون فمنهم من دهش ومنهم من أقعد فلم يطق القيام ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام ومنهم من أنكر موته بالكلية حتى غفل عمر رضي الله عنه عن هذه الآية الكريمة عند وفاته صلى الله عليه وسلم وقام في الناس فقال : إن رجالا من المنافقين يزعمون أنه عليه السلام توفي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمونه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولم يزل يكرر ذلك إلى أن قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا

جزء : 2 رقم الصفحة : 102

﴿وما محمد إلا رسول﴾ قال الراوي : والله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلاها أبو بكر رضي الله عنه فاستيقن الناس كلهم بموته صلى الله عليه وسلم وكانت الجمادات تتصدع من ألم مفارقة الرسول فكيف بقلوب المؤمنين ولما فقده الجذع الذي يخطب عليه قبل اتخاذ المنبر حن إليه وصاح كما يصيح الصبي فنزل إليه فاعتنقه فجعل يهدي كما يهدي الصبي الذي يسكن عند بكائه وقال : "لو لم أعتنقه لحن إلى يوم القيامة" ما أمر عيش من فارق الأحباب خصوصا من كانت رؤيته حياة الألباب ولما ثقل النبي عليه السلام جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة رضي الله عنها واكرب أبتاه فقال لها : "ليس على أبيك كرب بعد اليوم فلما مات قالت : يا أبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه فلما دفن قالت فاطمة يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على نبيكم التراب" وعاشت فاطمة بعد موته صلى الله عليه وسلم ستة أشهر ثم ماتت.

104

جهان اي برادر نماند بكس

دل اندر جهان آفرين بندوبس

فعلى العاقل أن يتدارك حاله قبل منيته حتى لا يفتضح عند رؤوس الخلائق يوم القيامة وكيف لا يسارع إلى الأعمال الصالحة من يعلم أن يوم القيامة يوم يفزع فيه الأنبياء والأولياء.

دران روز كز فعل رسند وقول

أولو العزم راتن بلرزد زهول

بجايى كه وحشت خورد انبيا

توعذر كنه را ه داري بيا

يعني بأي عذر ترتكب الآثام ولا تبالي بحالك ثم إن الخلاص والفوز بالمرام في الإيمان التحقيقي.

قال الشيخ نجم الدين الكبرى : الإشارة في الآية أن الإيمان التقليدي لا اعتبار له فينقلب المقلد عن إيمانه عند عدم المقلد به فمن كان إيمانه بتقليد الوالدين أو الأستاذ أو أهل البلد ولما يدخل الإيمان في قلبه ولم ينشرح صدره بنور الإسلام فعند انقطاعه بالموت عن هذه الأسباب المقلدة يعجز عن جواب سؤال الملكين في قولهما من ربك فيقول هاه لا أدري وإذ يقولان ما تقول في هذا الرجل فيقول هاه لا أدري كنت أقول فيه ما قال الناس فيقولان له لا دريت ولا تليت :

زدانند كان بشنو امروز قول

كه فردا نكيرت برسد بهول

غنيمت شمار اين كرامي نفس

كه بيمرغ قيمت ندارد قفس

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٨٥