واعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر وذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا وسعادة الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى الله وامتلائه من حب الله وهذان الأمران مما لا يجتمعان فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما.
وأيضا حب الله وحب الآخرة لا يتم بالدعوى فليس كل من أقر بدين الله كان صادقا ولكن الفصل فيه تسليط المكروهات والمحرمات فإن الحب هو الذي لا ينتقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء فإن بقي الحب عند تسلط أسباب البلاء ظهر أن ذلك الحق كان حقيقيا فلهذه الحكمة قال : ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾ بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة.
قال القشيري رحمه الله : من ظن أنه يصل إلى محل عظيم دون مقاساة الشدائد ألقته أمانيه في مهواة الهلاك وأن من عرف قدر مطلوبه سهل عليه بذل مجهوده قال الشاعر :
جزء : 2 رقم الصفحة : 102
وما جاد دهر بلذاته
على من يضن بخلع العذار فالدولة العظمى هي سعادة الآخرة فإنها باقية ودولة الدنيا فانية كما قيل :
جهان مثال راغيست در كذركه باد
غلام همت آنم كه دل بروننهاد
وسئل الشبلي عن نعت العارف فقال : لسانه بذكر الله ناطق وقلبه بحجة الله صادق وسره بوعد الله واثق وروحه إلى سبيل الله سابق وهو أبدا على الله عاشق فلا بد لأن يكون المرء
102
من العارفين من ترك الدعوى والإقبال إلى المولى وبذل الروح في طريقه.
حكي عن حاتم الأصم أنه قال : لقينا الترك وكان بيننا صولة فرماني تركي بوهق فأقبلني عن فرسي ونزل عن دابته وقعد على صدري وأخذ بلحيتي هذه الوافرة وأخرج من خفه سكينا ليذبحني قال : فوحق سيدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكينه وأنا ساكت متحير أقول سيدي أسلمت نفسي إليك إن قضيت على أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين أما أنا لك وملكك فبينا أنا أخاطب سيدي وهو قاعد على صدري إذ رماه بعض المسلمين بسهم فما أخطأ حلقه فسقط عني فقمت أنا إليه فأخذت السكين من يده فذبحته بها فيا هؤلاء لتكن قلوبكم عند السيد حتى ترون من عجائب لطفه ما لا ترون من الآباء والأمهات واعلموا أن من صبر واستسلم ظفر ومن فر اتبع فلم يتخلص ونعم العون الصبر عند الشدائد :
تحمل وزهرت نمايد نخست
ولي شهد كردد ودر طبع رست
زعلت مدار أي خردمند بيم
وداروي تلخت فرستد حكم
ثبتنا الله وإياكم.
﴿وما محمد﴾ هو المستغرق لجميع المحامد لأن الحمد لا يستوجبه إلا الكامل والتحميد فوق الحمد فلا يستحقه إلا المستولي على الأمد في الكمال وأكرم الله نبيه وصفيه بإسمين مشتقين من اسمه جل جلاله محمد وأحمد ﴿إلا رسول﴾ .
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى الشعب من أحد في سبعمائة رجل جعل عبد الله بن جبير على الرجالة وكانوا خمسين راجلا وقال : "أقيموا بأصل الجبل وادفعوا عنا بالنبل لا يأتوننا من خلفنا ولا تنتقلوا من مكانكم حتى أرسل إليكم فلا نزال غالبين ما دمتم في مكانكم" فجاء المشركون ودخلوا في الحرب مع النبي عليه السلام وأصحابه حتى حميت الحرب فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا وقال : "من يأخذه بحقه" فأخذه أبو دجانة فقاتل في نفر من المسلمين قتالا شديدا وقاتل علي بن أبي طالب حتى التوى سيفه وقاتل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وكان النبي عليه السلام يقول لسعد "ارم فداك أبي وأمي" فحمل هو وأصحابه على المشركين فأنزل الله نصره عليهم فهزموا المشركين فلما نظر الرماة إلى قوم هاربين أقبلوا على النهب بترك مركزهم فقال لهم عبد الله بن جبير : لا تبرحوا مكانكم فقد عهد إليكم نبيكم فلم يلتفتوا إلى قوله فجاءوا لأجل الغنيمة فبقي عبد الله بن جبير مع ثمانية نفر فخرج خالد بن الوليد مع خمسين ومائتي فارس من المشركين من قبل الشعب وقتلوا من بقي من الرماة ودخلوا خلف أقفية المسلمين فهزموهم ورمي ابن قميئة النبي عليه السلام بحجر فكسر رباعيته وشجه وفيه يقول حسان بن ثابت :
جزء : 2 رقم الصفحة : 102
ألم تر أن الله أرسل عبده
ببرهانه والله أعلى وأمجد
وشق له من اسمه ليجله
فذو العرش محمود وهذا محمد وتفرق عنه أصحابه وحمل ابن قميئة لقتل النبي عليه السلام فذب عنه مصعب بن عمير صاحب الراية يومئذ فقتله ابن قميئة ورجع فظن أنه كان قتل النبي عليه السلام فقال : قتلت محمدا وصرخ صارخ ألا أن محمدا قد قتل وكان ذلك إبليس فرجع أصحابه منهزمين متحيرين فأقبل أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وطلحة بن عبد الله في رجال
103