حكي أن عيسى عليه السلام اجتاز جبلا فيه عابد يعبد الله عند عين من ماء لطهارته وشربه وبستان ينبت له الهندباء لقوته فسلم عليه المسيح فرد السلام عليه فقال له : منذ كم أنت ههنا تعبد الله؟ قال : منذ ثمانين سنة أسأل حاجة من الله فلم يقضها لي فقال عيسى : وما هي؟ قال : أن يسكن قلبي ذرة من معرفته ومحبته فلا يفعل وأنت نبيه فسل لي هذه الحاجة فتوضأ عيسى من العين وصلى ركعتين وسأل حاجته ثم مضى وبقي ما بقي في سفره فلما رجع إلى ذلك المكان رآه خاليا والعين غائرة والبستان خراب فقال : يا رب سألتك له المعرفة والمحبة قبضت روحه فأوحى الله إليه يا عيسى أما علمت أن خراب الدنيا في محبتي ومعرفتي ومن عرفني وأحبني لا يسكن إلا إلي ولا يقر قرارا فإن أحببت أن تراه فاشرف عليه في هذا الوادي فأشرف عليه فإذا هو جالس قد ذهل وتحير وخرج لسانه على صدره شاخصا ببصره نحو السماء فناداه عيسى والعابد لا يسمع فناداه وحركه فلم يشعر فأوحى الله إلى عيسى فوعزتي وجلالي لو قطعته بالسيف ما شعر به لأني أسكنت قلبه معرفتي ومحبتي وهو أقل من ذرة ولو زدته أدنى شيء لطار بين السماء والأرض وطاش فانظر إلى أهل الله كيف تكون دنياهم خرابا لا يخلون من البلايا فاجتهد أنت أيضا أيها العبد في تصحيح الدين لعلك تصل إلى مقام اليقين والتمكين والمجاهدة تورث المشاهدة.
جزء : 2 رقم الصفحة : 99
ويوسف كسى در صلاح وتميز
بسى سال بايدكه كردد عزيز
﴿أم حسبتم﴾ أم منقطعة والهمزة للإنكار والاستبعاد والحسبان الظن والخطاب للذين انهزموا يوم أحد أي بل أظننتم ﴿أن تدخلوا الجنة﴾ وتفوزوا بنعيمها ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ حال من ضمير تدخلوا مؤكدة للإنكار فإن رجاء الأجر بغير عمل بعيد ممن يعلم أنه منوط به مستبعد عند العقول وعدم العلم كناية عن عدم المعلوم أي لما تجاهدوا لأن وقوع الشيء يستلزم كونه معلوماونفى اللازم يستلزم نفي الملزوم فنزل نفي العلم منزلة نفي الجهاد للتأكيد والمبالغة لأن انتفاء اللازم برهان على انتفاء الملزوم وفيه إشعار بأن علمه بالأشياء على
101
ما هي عليه ضروري يقول الرجل : ما علم الله في فلان خيرا يريد ما فيه خير حتى يعلمه ولما بمعنى لم إلا أن فيه ضربا من التوقع فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل تقول وعدني أن يفعل كذا ولما يفعل أي لم يفعل وأنا أتوقع فعله ﴿ويعلم الصابرين﴾ نصب بإضمار أن والواو بمعنى الجمع والمعنى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر على الشدائد أي الجمع بينهما فلا ينبغي أن تحسبوا دخولها كما دخل الذين قتلوا وبذلوا مهجتهم وثبتوا على ألم الجراح والضرب من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم ومن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع عدم أعمال هذه الطاعة.
جزء : 2 رقم الصفحة : 99
﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾ أي الحرب فإنها من مبادي الموت أو الموت بالشهادة والخطاب للذين لم يشهدوا بدرا وكانوا يتمنون أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا لينالوا ما ناله شهداء بدر من الكرامة فألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج ثم ظهر منهم خلاف ذلك ﴿من قبل أن تلقوه﴾ أي من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا هوله وشدته ﴿فقد رأيتموه﴾ أي ما تتمنونه من أسباب الموت أو الموت بمشاهدة أسبابه ﴿وأنتم تنظرون﴾ معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تقتلوا فلم فعلتم ما فعلتم وهو توبيخ لهم على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمني الشهادة بناء على أن في تمنيها تمني غلبة الكافر المسلم لأن قصد متمني الشهادة إلى نيل كرامة الشهداء من غير أن يخطر بباله شيء غير ذلك فلا يستحق العتاب من تلك الجهة كما أن من يشرب دواء الطبيب النصراني يقصد إلى حصول المأمول من الشفاء ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة وإحسانا إلى عدو الله وتنفيقا لصناعته.