والمداولة نقل الشيء من واحد إلى واحد وقالوا تداولته الأيدي أي تناقلته وليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصره تعالى منصب شريف فلا يليق بالكافر بل المراد أنه تعالى تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين وأنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الضروري والاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ثوابه عند الله ولأن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي فيكون إما تشديد المحنة عليه في الدنيا أدبا له وإما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من الله ﴿وليعلم الله الذين ءامنوا﴾ عطف على علة محذوفة أي تداولها بينكم ليكون من المصالح كيت وكيت وليعلم الله إيذانا بأن العلة فيما فعل غير واحدة وإنما يصيب المؤمن فيه من المصالح ما لا يعلم وهو إما من باب التمثيل أي ليعاملكم معاملة من يريد أن يعلم المخلصين الثابتين على الإيمان من غيرهم أو العلم فيه مجاز عن التمييز بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب أي ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم أو هو على حقيقة معتبرة من حيث تعلقه بالمعلوم من حيث أنه موجود بالفعل إذ هو الذي يدور عليه فلك الجزاء لا من حيث أنه موجود بالقوة فالمعنى ليعلم الله الذين آمنوا علما يتعلق به الجزاء ﴿ويتخذ منكم شهدآء﴾ جمع شهيد أي ويكرم ناسا منكم بالشهادة وهم شهداء أحد ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ ونفي المحبة كناية عن البغض أي يبغض الذين يضمرون خلاف ما يظهرون أو الكافرين وهو اعتراض.
وفيه تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافرين على الحقيقة وإنما يغلبهم أحيانا استدراجا لهم وابتلاء للمؤمنين.
﴿وليمحص الله الذين ءامنوا﴾ عطف على يتخذ أي ليصفيهم ويطهرهم من الذنوب إن كانت الدولة عليهم ﴿ويمحق الكافرين﴾ ويهلكهم إن كانت عليهم.
والمحق نقص الشيء قليلا قليلا والمراد بهم الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأصروا على الكفر وقد محقهم الله عز وجل جميعا.
قال القاشاني : ومن فوائد الابتلاء خروج ما في استعداداتهم من الكمالات إلى الفعل كالصبر والشجاعة وقوة اليقين وقلة المبالاة بالنفس واستيلاء القلب عليها والتسليم لأمر الله وأمثالها.
جزء : 2 رقم الصفحة : 99
قال نجم الذين الكبرى ﴿ولا تهنوا﴾ يا سائرين إلى الله في السير إليه ﴿ولا تحزنوا﴾ علي ما فاتكم من التنعمات الدنيوية والكرامات الأخروية ﴿وأنتم الاعلون﴾ من أهل الدنيا والآخرة في المقام عند ربكم ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ مصدقين
100
بهذه الأخبار تصديق الائتمار به ﴿إن يمسسكم قرح﴾ في أثناء السير من المجاهدات وأنواع البلاء والابتلاء ﴿فقد مس القوم﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿قرح﴾ من المحن ﴿مثله وتلك الايام﴾ وأيام المحن والبلاء والابتلاء والامتحان ﴿نداولها بين الناس﴾ بين السائرين يوما نعمة ويوما نقمة ويوما منحة ويوما محنة ﴿وليعلم الله الذين ءامنوا﴾ وليختبرهم الله بالامتحان ويجعلهم مستعدين لمقام الشهادة ﴿ويتخذ منكم شهدآء﴾ يا مبتلين بالنعمة والنقمة في أثناء السير أرباب الشهود والمشاهدة ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ الذين يصرفون استعدادهم في طلب غير الحق والسير إليه ﴿وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين﴾ يعني أن كل غم وهم ومصيبة تصيب المؤمنين في الله يكون تكفيرا لذنوبهم وتطهيرا لقلوبهم وتخليصا لأرواحهم وتمحيصا لأسرارهم وما يصيب الكافرين من نعمة ودولة وحبور يكون سببا لكفرانهم ومزيدا لطغيانهم وعمى لقلوبهم وتمردا لنفوسهم ومحقا لأرواحهم وسحقا لأسرارهم فأهل المحبة والمعرفة لا يخلون عن الابتلاء بقلة أو ذلة أو علة فإن مقتضى الحكمة ذلك ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام : "أشد البلاء على الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل".