والإشارة في الآيتين أن الله خص السائرين إلى الله بالمهاجرة عن الأوطان والمسافرة إلى البلدان بمفارقة الخلان والأخدان ومصاحبة الإخوان غير الخوان ليعتبروا من سنن أهل السنن فقال تعالى : ﴿قد خلت من قبلكم سنن﴾ أي أمم لهم سنن ﴿فسيروا﴾ على سنن أهل السنة ﴿فى الأرض﴾ في أرض نفوسكم الحيوانية بالعبور عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية وتتخلقوا بالأخلاق الربانية ﴿فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ أي كيف صار حاصل أمر النفوس الكذبة بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية عند الوصول إليها ﴿هاذا بيان للناس﴾ أي لأهل الغفلة والغيبة الناسين عهد الميثاق ﴿وهدى وموعظة للمتقين﴾ أي وعيان لأهل الهداية والشهود الذاكرين للعهود الذين اتعظوا بالتجارب والتقوى عما سوى الله تعالى.
قال بعض العلماء : يا مغرور امسك وقس يومك بامسك واتعظ بمن مضى من أبناء جنسك فإنك بك قد خللت في رمسك أين من أسخط مولاه بنيل ما يهواه أين من أفنى عمره في خطاياه فتذكر أنت أيها الغافل مصارعهم وانظر مواضعهم هل نفعهم رفيق رافقوه أو منعهم أما خلوا بخلالهم أما انفردوا بأعمالهم فستصير في مصيرهم فتدبر أمرك وستسكن في مثل مساكنهم فاعمر قبرك يا مسرورا بمنزله الرحب الأنيق ستفارقه يا مشمئزا من التراب ستعانقه اعتبر بمن سبقك فأنت لاحقه واذكر العهد الأزلي فزك نفسك حياء من الله لعلك تصل إلى ما تهواه من جنات وعيون ومقام كريم ووصال إلى رب رحيم قال تعالى : ﴿فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا﴾ (الكهف : 110) فما ذا يقعدك عن رفقة الصالحين وهل ترضى لنفسك يا مسكين أن تقف في مقام الجهال المعتدين أما علمت أنك غدا تدان كما تدين أصلح الله أحوالنا وصحح أقوالنا وأفعالنا وأعطانا آمالنا وختمنا بالخير إذا بلغنا آجالنا.
﴿ولا تهنوا﴾ من الوهن وهو الضعف أي لا تضعفوا عن الجهاد بما أصابكم من الجراح يوم أحد ﴿ولا تحزنوا﴾ على من قتل منكم وهي صيغة نهى ورد للتسكين والتصبير لا النهي عن الحزن ﴿وأنتم الاعلون﴾ أي والحال أنكم الأعلون الغالبون دون عدوكم فإن مصير أمرهم إلى الدمار حسبما شاهدتم في أحوال أسلافهم لأن الباطل يكون زهوقا وأصله أعليون فكرهوا الجمع بين أخت الكسرة والضمة ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ والجواب محذوف دل عليه المذكور أي إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا فإن الإيمان يوجب قوة القلب والثقة بصنع الله وقلة المبالاة بأعدائه ولا يتعلق بالنهي المذكور لأن الجزاء لا يتقدم على الشرط لكونهما كالكلمة الواحدة.
جزء : 2 رقم الصفحة : 97
﴿إن يمسسكم﴾ أي يصبكم ﴿قرح﴾ فتحا وضما أي جراحة ﴿فقد مس القوم﴾ أي الكفار ببدر ﴿قرح مثله﴾ قيل قتل المسلمون من الكافرين ببدر سبعين وأسروا سبعين وقتل الكافرون من المسلمين بأحد سبعين وأسروا سبعين والمعنى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ثم لم يضعف ذلك قلوبهم
99
ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أولى بأن لا تضعفوا فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون ﴿وتلك الايام﴾ إشارة إلى الأيام الجارية فيما بين الأمم الماضية والآتية كافة لا إلى المعهودة خاصة من يوم بدر ويوم أحد بل هي داخلة فيها دخولا أوليا والمراد بها أوقات الظفر والغلبة ﴿نداولها بين الناس﴾ ونصرفها بينهم نديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى كقول من قال :
فيوما علينا ويوما لنا
ويوما نساء ويوما نسر
جزء : 2 رقم الصفحة : 99