﴿هاذآ﴾ إشارة إلى ما سلف من قوله قد خلت الخ ﴿بيان للناس﴾ وهم المكذبون أي إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب فإن الأمر بالسير والنظر وإن كان خاصا بالمؤمنين لكن العمل بموجبه غير مختص بواحد دون واحد ففيه حمل للمكذبين أيضا على أن ينظروا إلى عواقب ما قبلهم من أهل التكذيب ويعتبروا بما يعاينون من آثار دمارهم وإن لم يكن الكلام مسوقا لهم والبيان هو الدلالة على الحق في أي معنى كان بإزالة ما فيه من الشبهة ﴿وهدى﴾ أي زيادة بصيرة وهو مختص بالدلالة والإرشاد إلى طريق الدين القويم والصراط المستقيم ليتدين به ويسلك ﴿وموعظة﴾ وهو الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في الدين ﴿للمتقين﴾ أي لكم والإظهار للإيذان بعلة الحكم فإن مدار كونه هدى وموعظة لهم إنما هو تقواهم.
جزء : 2 رقم الصفحة : 97
واعلم أن الأمم الماضية خالفوا الأنبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب لذاتها ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة فرغب الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم المصدقين في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم إلى الإنابة والإعراض عن الإغترار بالحظوظ الفانية واللذات المقتضية فإن الدنيا لا تبقى مع المؤمن ولا مع الكافر فالمؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى والكافر بخلافه فاللائق أن يجتهد فيما هو خير وأبقى ولا ينظر إلى زخارف الدنيا.
ثم في هذا تسلية للمؤمنين فيما أصابهم يوم أحد فإن الكفار وإن نالوا من المؤمنين بعض النيل لحكمة اقتضته فالعاقبة للمؤمنين قال تعالى : ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (الصافات : 171 172 173) و﴿أن الارض يرثها عبادى الصالحون﴾ (الأنبياء : 105) ولو كانت الغلبة كل مرة للمؤمنين لصار الإيمان ضروريا وهو خلاف ما تقتضيه الحكمة الإلهية.
فعلى العاقل أن يفوض الأمر إلى الله ويعتبر بعين البصيرة في الأمور الخفية والجلية وقد قال الله تعالى : ﴿فاعتبروا يا اأولى الابصار﴾ (الحشر : 2).
نرود مرغ سوى دانه فراز
ون دكر مرغ بيند اندر بند
ندكير از مصائب دكران
تانكيرند ديكران زتو ند
والخوف من العاقبة من الصفات السنية للصلحاء.
روي أنه يعذب الرجل في النار ألف سنة ثم يخرج منها إلى الجنة قال الحسن البصري رحمه الله : يا ليتني كنت ذلك الرجل وإنما قال الحسن ذلك لأنه يخاف عاقبة أمره وهكذا كان الصالحون يخافون عاقبة أمرهم وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يكثر أن يقول : "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على
98
طاعتك" قالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله إنك لتكثر القول بهذا الدعاء فهل تخشى؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما يؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن فإذا أراد أن يقلب قلبا قلبه".
قال السري إني لأنظر في المرآة كل يوم مرارا مخافة أن يكون قد اسود وجهي.
جزء : 2 رقم الصفحة : 97