تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿أولئك﴾ أي أهل هذه الصفات ﴿جزآؤهم﴾ أي ثوابهم ﴿مغفرة﴾ كائنة ﴿من ربهم وجنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها﴾ أي لهم ذخر لا يبخس وأجر لا يوكس وجنات لا تنقضي ولذات لا تمضي ﴿ونعم أجر العاملين﴾ المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم أجر العاملين ذلك أي ما ذكر من المغفرة والجنات والتعبير عنهما بالأجر المشعر بأنهما تستحقان بمقابلة العمل وإن كان بطريق التفضل لمزيد الترغيب في الطاعات والزجر عن المعاصي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك قال : "ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك.

ابن آدم إنك إن تلقني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئا.

ابن آدم إنك إن تذنب حتى يبلغ ذنبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك" قال ثابت البناني : بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية وهي قوله : ﴿والذين﴾ الآية وقال صلى الله عليه وسلم "ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم ويصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له".

جزء : 2 رقم الصفحة : 94

روي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام (ما أقل حياء من يطمع في جنتي

96

بغير عمل يا موسى كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي).

وعن شهر بن حوشب طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة ، وعن رابعة البصرية أنها كانت تنشد :

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها

إن السفينة لا تجري على اليبس

قال القشيري رحمه الله : أوحى الله سبحانه إلى موسى عليه السلام : (قل للظلمة حتى لا يذكروني فإني أوجبت أن أذكر من يذكرني وذكري للظلمة باللعنة).

واعلم أن العمدة هي الإيمان وذلك إنما يحصل بالتوحيد المنافي للشرك وهو المؤدي إلى التوبة والاستغفار ولكونه عمدة عد المؤمن الموحد من المتقين وصار سببا لدخول الجنة ، فينبغي للعبد أن يصرف اختياره إلى جانب الامتثال للأمر والاجتناب عن النهي فالله تعالى خالقه وإن كان التوفيق إلى جانب العمل أيضا من عنايته تعالى.

نخست أو أرادت بدل درنهاد

س اين بنده برآستان سرنهاد

وفقني الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى ويداوي بلطفه وكرمه هذه القلوب المرضى فإن بيده مفاتيح الإسلاح والفوز بالبغية والظفر بالفلاح.

شنيدستم كه إبراهيم ادهم

شيء بر تخت دولت خفت خرم

زسقف خود شنيد آواز ايى

زجا برجست ون آشفته رايى

بتندي كفت أوكين كيست بربام

كه دارد بر سهر قصر ما كام

جواب آمد كه أي شاه جهانكير

شتركم كرده مرد مفلسم ير

زخنده كشت شه برجاي خودست

كه بربام آدمي هركز شترجست

دكربار اسخ آمد كاي جوان بخت

خدا جويى كسى كردست برتخت

خدا جويى وخورد وخواب وآرام

شتر جويى بود بر كوشه بام

وبشنيد اين يام از هاتف غيب

فراغت كرد ازدنيا بلا ريب

رسيد از راه تجريدي بمنزل

س از ادبارشد مقبول ومقبل

فالواجب على طالب الحق أن يحفظ الأدب حتى يرتقي بذلك إلى أعلا الرتب ألا ترى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كيف كان يستغفر كل يوم سبعين مرة مع أن ذنبه كان مغفورا وبكمال أدبه وصل إلى ما وصل حتى صار اتباعه سببا لمحبة الله تعالى كما قال تعالى : ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله﴾ (آل عمران : 31) ومع ذلك كان خوفه وإجلاله في غاية الكمال وهكذا ينبغي لمن اقتدي به.

ورتبة المحسن وإن كانت أولى لكن التدارك أحسن من الإصرار فطوبى لمتدارك وصل إلى الإحسان وأجير نال إلى المحبوبية عند الله الرحمن.

جزء : 2 رقم الصفحة : 94

﴿قد خلت من قبلكم سنن﴾ أصل الخلو الإنفراد والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه ويستعمل أيضا في الزمان الماضي لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه وكذا الأمم الخالية والسنن بالوقائع أي قد مضت من قبل زمانكم وقائع سنها الله في الأمم المكذبة أي وضعها طريقة يسلكها على وفق الحكمة فالمراد بسنن الله تعالى معاملات الله في الأمم بالهلاك والاستئصال بدليل قوله تعالى : ﴿فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ ﴿فسيروا فى الأرض﴾ أي إن شككتم

97

في ذلك سيروا وليس المراد الأمر بالمسافرة في الأرض بسير الإقدام لا محالة بل المقصود تعرف أحوالهم فإن حصلت المعرفة بغير السير حصل المقصود ولعل اختيار لفظ سيروا مبني على أن أثر المشاهدة أقوى من أثر السماع كما قيل ليس الخبر كالمعاينة وفي هذا المعنى قيل :

إن آثارنا تدل علينا

فانظروا بعدنا إلى الآثار

﴿فانظروا﴾ بنظر العين والمشاهدة ﴿كيف﴾ خبر مقدم لكان معلق لفعل النظر والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض لأن الأصل استعماله بالجار ﴿كان عاقبة المكذبين﴾ رسلي وأوليائي.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٧٩