تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعن سعد بن أوس أنه قال : أسر المشركون رجلا من المسلمين فسألوه كم كنتم قال : ثلاثمائة وبضعة عشر قالوا : ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا أو مثلي عدد المرئيين أي ستمائة ونيفا وعشرين حيث كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار رضي الله عنهم وكان صاحب راية النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة الخزرجي رضي الله عنه وكان في العسكر تسعون بعيرا وفرسان أحدهما للمقداد بن عمرو والآخر لمرثد بن أبي مرثد وست أدرع وثمانية سيوف وجميع من استشهد يومئذ من المسلمين أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار أراهم الله عز وجل كذلك مع قلتهم ليهابوهم ويتجنبوا عن قتالهم مددا لهم منه سبحانه كما أمدهم بالملائكة عليهم السلام.

فإن قلت فهذا مناقض لقوله في سورة الأنفال ﴿ويقللكم فى أعينهم﴾ .

قلت : قللهم أولا في أعينهم حتى اجترأوا عليهم فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية ﴿رأى العين﴾ نصب على المصدر يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات ﴿والله يؤيد﴾ أي يقوي ﴿بنصره من يشآء﴾ أي يريد من غير توسيط الأسباب العادية كما أيد الفئة المقاتلة في سبيله بما ذكر من النصر وهو من تمام القول المأمور به ﴿إن فى ذالك﴾ إشارة إلى ما ذكر من رؤية القليل كثيرا المستتبعة لغلبة القليل العديم العدة على الكثير الشاكي السلاح ﴿لعبرة﴾ من العبور كالجلسة من الجلوس والمراد بها الاتعاظ فإنه نوع من العبور أي لعبرة عظيمة كائنة ﴿لاولى الابصار﴾ لذوي العقول والبصائر.

فعلى العاقل أن يعتبر بالآيات ولا يغتر بكثرة الأعداد من الأموال والأولاد وعدم اجتهاده لمعاده فإن الله يمتعه قليلا ثم يضطره إلى عذاب

8

غليظ.

جزء : 2 رقم الصفحة : 7

واعلم أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا فغلبات الهوى والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد فإنه مهده في معاشه والنار ناران : نار الله ونار الجحيم ، فأما نار الله فهي نار حسرة القطيعة عن الله فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله كقوله تعالى : ﴿نار الله الموقدة * التى تطلع على الافادة﴾ (الهمزة : 6 7) وأما نار الجحيم فهي نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات فهي تحرق قشور الجلود كما قال تعالى : ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذابا إن الله كان عزيزا حكيما﴾ (النساء : 56) ولا يتخلص من هذه النار إلا لب القلوب وإن عذاب حرقة الجلد بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب كنسيم الحياة وسموم الممات فلا بد من تزكية النفس فإنها سبب للخلاص من عذاب الفرقة.

قيل لبعضهم : بم يتخلص العبد من نفسه؟ قال : بربه انتهى فإذا أراد الله أن ينصر عبده على ما طلب منه أمده بجنود الأنوار فكلما اعترته ظلمة قام لها نور فأذهبها وقطع عنه مواد الظلم والأغيار فلم يبق للهوى مجال ولا للشهوة والأخلاق الذيمة مقال ولا قال فالنور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس والمراد بالنور حقائق ما يستفاد من معاني الأسماء والصفات وبالظلمة معاني ما يستفاد من الهوى والعوائد الرديئة قال تعالى : ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها﴾ (النمل : 34) أي غيروا حالها عما هي عليه وكذلك إذا وردت الواردات الربانية على القلوب الممتلئة أخرجت منها كل صفة رديئة وكستها كل خلق زكية فهذه الدولة إنما تنال بترك الدنيا والعقبى فكيف يمتلىء بالأنوار قلب من خالط الأغيار وأحب المال والأولاد ولم يخف من رب العباد.

وقدم على الأستاذ أبي علي الدقاق رحمه الله فقير وعليه مسح وقلنسوة فقال له بعض أصحابه : بكم اشتريت هذا المسح على وجه المطايبة؟ فقال : اشتريته بالدنيا فطلب مني بالآخرة فلم أبعه.

قال أبو بكر الوراق رحمه الله طوبى للفقراء في الدنيا والآخرة فسألوه عنه فقال : لا يطلب السلطان منه في الدنيا الخراج ولا الجبار في الآخرة الحساب :

قناعت سر افرازد أي مرد هوش

جزء : 2 رقم الصفحة : 7

سرير طمع برنيايد زدوش

كر آزاده برزمين خسب وبس

مكن بهر مالي زمين بوس كس

حققنا الله وإياكم بحقائق التوحيد.

جزء : 2 رقم الصفحة : 7

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٧