تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حكي أن خادما كان قائما على رأس الحسن بن علي رضي الله عنهما وهو مع أضيافه في المائدة فانحرفت قصعة كانت في يد الخادم فسقط منها شيء على الحسن فقال : ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾ قال : قد عفوت عنك فقال : ﴿والله يحب المحسنين﴾ قال : أنت حر لوجه الله وقد زوجتك فلانة فتاتي وعلي ما يصلحكما ، قال الفاضل الجامي :

جوانمردا جوانمردي بياموز

زمردان جهان مردي بياموز

درون ازكين كين جويان نكه دار

زبان از طعن بدكويان نكه دار

نكويى كن بآن كوبا توبد كرد

كزان بدرخنه در اقبال خودكرد

جزء : 2 رقم الصفحة : 94

وآيين نكو كاري كنى ساز

نكردد جزبتو آن نكويى باز

فعلى العاقل أن يسارع إلى العمل بالحسنات من الإحسان وأنواع الخيرات سريعا قبل الفوات لأن في التأخير آفات :

كنون وقت تخمست اكر روري

كراميد داري كه خرمن بري

يعني إن كنت تأمل الجنة فاعبد ربك بأنواع العبادات ما دمت في الحياة فإن الفرصة غنيمة والمتأخر عن السير إلى الله مغبون قيل :

بيا ساقي كه في التأخير آفات

بمايه توان اي سر سود كرد

ه سود آيد آنراكه سرمايه خورد

والله تعالى خلق الإنسان لدخول الجنة ودرجاتها والنار ودركاتها ثم أرسل المرسلين مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار وحث بالاتقاء والحذر عن النار كما قال : ﴿واتقوا النار التى أعدت للكافرين﴾ وحرض على المسارعة إلى الجنة بقوله : ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ أي سارعوا بقدم التقوى إلى مقام من مقامات قرب ربكم ﴿وجنة عرضها السماوات والارض﴾ يعني طولها فوق السموات والأرض.

والإشارة فيه أن الوصول إليها بعد العبور من ملك السموات والأرض وهو المحسوسات التي تدركها الحواس الخمس والعبور عنها إنما يكون بقدم التقوى الذي هو تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة كما قال : ﴿أعدت للمتقين﴾ فإن قدم التقوى الذي يولج به في عالم الملكوت هو التزكية

95

ويدل عليه ما قال عيسى عليه الصلاة والسلام : (لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين) فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها وولوج الملكوت وهو التحلية بالصفات الروحانية وقوله : ﴿أعدت للمتقين﴾ أي هم مخصوصون بها ومراتبهم في الدرجات العلى وهو بقدر تقوى النفوس وتزكيتها عصمنا الله وإياكم من الشرور والأوزار وشرفنا بمقامات الأبرار والأخيار.

جزء : 2 رقم الصفحة : 94

﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ أي فعلة بالغة في القبح كالزنى ﴿أو ظلموا أنفسهم﴾ بأن أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذ به الإنسان أو الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة ولعل الفاحشة ما يتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك ﴿ذكروا الله﴾ تذكروا حقه العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء أو وعيده ﴿فاستغفروا لذنوبهم﴾ بأن يندموا على ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل وأما مجرد الاستغفار باللسان فلا أثر له في إزالة الذنب وإنما هو حظ اللسان من الاستغفار وهو توبة الكذابين ﴿ومن﴾ استفهام إنكاري أي لا ﴿يغفر الذنوب﴾ أي جنس الذنوب أحد ﴿إلا الله﴾ بدل من الضمير المستكن في يغفر وهو اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه تصويبا للتائبين وتطييبا لقلوبهم وبشارة لهم بوصف ذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة وإجلالا لهم وإعلاء لقدرهم بأنهم علموا أن لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه وأن من كرمه التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له وأن العبد إذا التجأ إليه في الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه عفا عنه وتجاوز عن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم وتحريضا للعباد على التوبة وبعثا عليها وعلى الرجاء وردعا عن اليأس والقنوط ﴿ولم يصروا﴾ عطف على فاستغفروا أي لم يقيموا ﴿على ما فعلوا﴾ من الذنوب فاحشة كانت أو ظلما غير مستغفرين لقوله عليه السلام : "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" و"لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار" أي الصغيرة مع الإصرار كبيرة ﴿وهم يعلمون﴾ حال من فاعل يصروا أي لم يصروا على ما فعلوا وهم عالمون بقبحه وبالنهي عنه والوعيد عليه والتقييد بذلك لما أنه قد يعذر من لا يعلم ذلك إذا لم يكن عن تقصير في تحصيل العلم به.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ٧٨