المعاملات فإن الربا يضر بإيمان المؤمنين وهو وإن كان زيادة في الحال لكنه نقصان في الحقيقة فإن الفقراء الذين يشاهدون أن المرابي يأخذ أموالهم بسبب الربا يلعنونه ويدعون عليه وذلك يكون سببا لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله بل عما يتفرع من نقص عرضه وقدره وتوجه مذمة الناس إليه وسقوط عدالته وزوال أمانته وفسق القلب وغلظته.
وآخذ الربا لا يقبل الله منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلاة وقد ثبت في الحديث "أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام" فإذا كان الغني من الوجه الشرعي الحلال كذلك فما ظنك بالغني من الوجه الحرام؟ فالإنسان مع فقره وحاجته إذا توكل على الله وأحسن إلى عبيده فالله تعالى لا يتركه ضائعا جائعا في الدنيا بل يزيد كل يوم في جاهه وذكره الجميل يميل قلوب الناس إليه.
وأما إذا كان بخلاف ذلك فيكون أمره عسيرا في الدنيا والآخرة والعمل السوء ينزع به الإيمان عند الموت فيستحق به صاحبه الخلود في النار كالكفار نعوذ بالله من ذلك.
وروى أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة رحمه الله أكثر ما ينزع الإيمان لأجل الذنوب من العبد عند الموت وأسرعها نزعا للإيمان ظلم العباد فاتق أيها المؤمن من الله ولا تظلم عباد الله بأخذ أموالهم من أيديهم بغير حق فإنه حوب كبير عصمنا الله وإياكم من سوء الحال.
جزء : 2 رقم الصفحة : 92
﴿وسارعوا﴾ أي بادروا وأقبلوا ﴿إلى مغفرة﴾ كائنة ﴿من ربكم وجنة﴾ إلى ما يستحقان به كالإسلام والتوبة والإخلاص وأداء الواجبات وترك المنهيات ﴿عرضها السماوات والارض﴾ أي كعرضهما صفة لجنة وذكر العرض للمبالغة في وضعها بالسعة على طريقة التمثيل فإن العرض في العادة أدنى من الطول ﴿أعدت للمتقين﴾ أي هيئت لهم صفة أخرى الجنة.
وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة الآن وأنها خارجة عن هذا العالم.
أما الأول فلدلالة لفظ الماضي.
وأما الثاني فلأن ما يكون عرضه كعرض جميع هذا العالم لا يكون داخلا فيه.
روي أن رسول هرقل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنك تدعو إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال عليه السلام : "سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار" والمعنى والله أعلم إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل.
﴿الذين ينفقون﴾ كل ما يصلح للإنفاق وهو صفة مادحة للمتقين ﴿فى السرآء والضرآء﴾ أي في حالتي الرخاء والشدة أي الغنى والفقر واليسر والعسر وفي الأحوال كلها إذ الإنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة أي لا يخلون في حال ما بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير ﴿والكاظمين الغيظ﴾ عطف على الموصول والكظم الحبس والغيظ توقد حرارة القلب من الغضب أي الممسكين عليه الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه ﴿والعافين عن الناس﴾ أي التاركين عقوبة من استحق مؤاخذته ﴿والله يحب المحسنين﴾ الذين عمت فواضلهم وتمت فضائلهم.
ولامه يصلح للجنس فيدخل تحته هؤلاء والعهد فتكون الإشارة إليهم.
جزء : 2 رقم الصفحة : 94
واعلم أن الإحسان إلى الغير إما أن يكون بإيصال النفع إليه أو بدفع الضرر عنه.
أما إيصال النفع إليه فهو المراد بقوله : ﴿الذين ينفقون فى السرآء والضرآء﴾ ويدخل فيه إنفاق العلم وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين.
ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات قال عليه الصلة والسلام :
94
"السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس قريب من النار" وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة بإساءة أخرى وهو المراد بكظم الغيظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا" وإما في الآخرة وهو أن يبرىء ذمته من التبعات والمطالبات في الآخرة وهو المراد بقوله : ﴿والعافين عن الناس﴾ .
روي أنه ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله تعالى فلا يقوم إلا من عفا وعن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : "إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت" فهذه الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير ولما كانت هذه الأمور الثلاثة مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ذكر ثوابها فقال : ﴿والله يحب المحسنين﴾ فإن محبة الله العبد أعظم درجات الثواب.
قال الفضيل بن عياض : الإحسان بعد الإحسان مكافأة والإساءة بعد الإساءة مجازاة والإحسان بعد الإساءة كرم وجود والإساءة بعد الإحسان لؤم وشؤم.