يا اأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربوا} والمراد بأكله أخذه وإنما عبر عنه بالأكل لأنه معظم ما يقصد بالأخذ ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع ﴿أضعافا مضاعفة﴾ زيادات مكررة كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل ولم يكن المديون واجدا لذلك المال قال : زدني في المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك ثم إلى آجال كثيرة فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها.
وأضعافا جمع ضعف حال من الربا أي متضاعفا ولما كان جمع قلة والمقصود الكثرة اتبعه بما يدل على الكثرة حيث وصفه بقوله مضاعفة وهي اسم مفعول لا مصدر وهذه الحال ليست لتقييد النهي بها حيث تنتفي الحرمة عند انتفائها بل لمراعاة ما كانوا عليه من العادة توبيخا لهم على ذلك ﴿واتقوا الله﴾ فيما نهيتم عنه خصوصا الربا وعمله ﴿لعلكم تفلحون﴾
92
راجين الفلاح.
﴿واتقوا النار التى أعدت للكافرين﴾ بالتحرز عن متابعتهم وتعاطي ما يتعاطونه وفيه تنبيه على أن النار بالذات معدة للكفار وبالعرض للعصاة.
وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول : هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في أصناف محارمه.
﴿وأطيعوا الله﴾ في كل ما أمركم به ونهاكم عنه ﴿والرسول﴾ الذي يبلغكم أوامره ونواهيه ﴿ولعلكم ترحمون﴾ راجين لرحمته ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل عزة التوصل إلى ما جعل خبرا له.
قال القاشاني : ولا يخفى على الفطن ما فيه من المبالغة في التهديد على الربا حيث أتي بلعل في فلاح من اتقاه واجتنبه لأن تعليق إمكان الفلاح ورجاءه بالاجتناب منه يستلزم امتناع الفلاح لهم إذا لم يجتنبوه ويتقوه مع إيمانهم.
ثم أوعد عليه بالنار التي أعدت للكافرين مع كونهم مؤمنين فما أعظمها من مصيبة توجب عقاب الكفار للمؤمنين وما أشده من تغليظ عليه ثم أمد التغليظ بالأمر بطاعة الله ورسوله تعريضا بأن آكل الربا منهمك في المعصية لا طاعة له ثم علق رجاء المؤمنين بطاعة الله ورسوله إشعارا بأنه لا رجاء للرحمة مع هذا النوع من العصيان فهو يوجب اليأس من رحمته للمؤمنين لامتناعها لهم معه فانظر كيف درج التغليظ في التهديد حتى ألحقه بالكفار في الجزاء والعقاب انتهى بعبارته.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل" والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال على الوجه الذي نهى الله عنه وهو قسمان : ربا النسيئة ، وربا الفضل.
أما ربا النسيئة فهو ما كان يتعارفه أهل الجاهلية ويتعاملون به وقد سبق آنفا.
وأما ربا الفضل أي أخذ الفضل عند مقابلة الجنس بالجنس نقدا فهو أن يباع من من الحنطة بمنين منها وما أشبه ذلك وقد اتفق جمهور العلماء على تحريم الربا في القسمين.
جزء : 2 رقم الصفحة : 92
واعلم أن الربا يؤدي إلى الحرص على طلب الدنيا أضعافا مضاعفة إلى ما لا يتناهى كما قال عليه الصلاة والسلام : "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب" والحرص درك من دركات النيران فلذا قال : ﴿واتقوا النار التى أعدت للكافرين﴾ .
قناعت كن اي نفس بد اند كى
كه سلطان ودرويش بيني يكى
فالحرص على الدنيا وسعيها وجمعها مذموم منهى عنه والبذل والإيثار وترك الدنيا والقناعة فيها محمود مأمور به يدل عليه قوله تعالى : ﴿يمحق الله الربوا ويربى الصدقات﴾ (البقرة : 276) فمن أخذ الربا لتكثير المال بلا احتياج كان كمن يقع على أمه نعوذ بالله.
روي عن عبد الله بن سلام للربا اثنان وسبعون حوبا أصغرها كمن أتى أمه في الإسلام كذا في "تنبيه الغافلين".
وإذا أخذه بوجه شرعي مع الاحتياج يجوز في الفتوى ولكن التقوى فوق أمر الفتوى والحيلة الشرعية فيه ذكرها قاضيخان حيث قال رجل له على رجل عشرة دراهم فأراد أن يجعلها ثلاثة عشر قالوا : يشتري من المديون شيئا بتلك العشرة ويقبض المبيع ثم يبيعه من المديون بثلاثة عشر إلى سنة فيقع التحرز عن الحرام ومثل هذا مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا احتاج إلى الاستقراض فاستقرض من رجل فلم يعطه إلا بالربا فالإثم على آخذ الربا دون معطيه لأن له فيه ضرورة وهذا إذا كان الآخذ غنيا كما عرفت فالمرء الصالح يتباعد عن مثل هذه
93