﴿ليقطع﴾ متعلق بنصركم أي نصركم الله يوم بدر ليهلك وينقص ﴿طرفا من الذين كفروا﴾ أي طائفة منهم بقتل وأسر وقد وقع ذلك حيث قتل من رؤسائهم وصناديدهم سبعون وأسر سبعون ﴿أو يكبتهم﴾ أي يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة فإن الكبت شدة غيظ أو وهن يقع في القلب من كبته بمعنى كبده إذا ضرب كبده بالغيظ والحرقة واو للتنويع دون الترديد ﴿فينقلبوا خآئبين﴾ غير ظافرين بمبتغاهم وينهزموا منقطعي الآمال.
والخيبة هو الحرمان من المطلوب والفرق بينها وبين اليأس أن الخيبة لا تكون إلا بعد التوقع وأما اليأس فإنه قد يكون بعد التوقع وقبله فنقيض اليأس الرجاء ونقيض الخيبة الظفر ﴿ليس لك من الامر شىء﴾ اعتراض ﴿أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ عطف على قوله أو يكبتهم والمعنى أن الله مالك أمرهم على الإطلاق فإما أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم تعذيبا شديدا أخرويا إن أصروا وليس لك من أمرهم شيء وإنما أنت عبد مأمور لإنذارهم وجهادهم ﴿فإنهم ظالمون﴾ قد استحقوا التعذيب بظلمهم ﴿ولله ما فى السماوات وما فى الأرض﴾ من الموجودات خلقا وملكا لا مدخل فيه لأحد أصلا فله الأمر كله ﴿يغفر لمن يشآء﴾ أن يغفر له مشيئة مبنية على الحكم والمصالح ﴿ويعذب من يشآء﴾ أن يعذبه وقدم المغفرة لسبق رحمته تعالى غضبه وهذا صريح في نفي وجوب التعذيب والتقييد بالتوبة وعدمها كالمنافي له ﴿والله غفور رحيم﴾ لعباده والمقصود بيان أنه وإن حسن كل ذلك منه إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب لا على سبيل الوجوب بل على سبيل الفضل والإحسان ، فليبادر العاقل إلى الأعمال التي يستوجب بها رحمة الله تعالى ولا ييأس من روح الله أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام (يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين) قال : يا رب فكيف أبشر المذنبين وأنذر الصديقين قال : (بشر المذنبين بأني لا يتعاظمني ذنب إلا أغفره وأنذر الصديقين أن لا يعجبوا بأعمالهم وإني لا أضع عدلي وحسابي على أحد إلا أهلكه) وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه دخل على النبي عليه السلام فوجده يبكي فقال : ما يبكيك يا رسول الله؟ قال : "جاءني جبريل فقال : إن الله يستحيى أن يعذب أحدا قد شاب في الإسلام فكيف لا يستحي من شاب في الإسلام أن يعصي الله" فالواجب على الشيخ أن يعرف هذه الكرامة ويشكر الله ويستحي منه ومن
91
الكرام الكاتبين ويمتنع من المعاصي ويكون مقبلا على طاعة ربه فإنه في ساحل بحر المنون.
جزء : 2 رقم الصفحة : 91
روي أن الحجاج لما أقام بالعراق يرهب ويفتك حتى استوثقت له الأمور خرج عليه عبد الرحمن بن الأشعث بأهل العراق فأمده عبد الملك بأهل الشام فكانوا شيعته واستمر بينه وبين ابن الأشعث الوقائع حتى هزمه الحجاج بدير الجماجم بعد ثمانين وقعة في ستة أشهر وكان مع ابن الأشعث أكثر من مائتي ألف فلما هزموا قال الحجاج لأصحابه : اتركوهم فيلتبددوا ولا تتبعوهم ثم نادى مناديه من رجع فهو آمن ودخل الكوفة وجاء الناس من المنهزمين يبايعونه فكان يقول لمن جاء يبايعه اشهد على نفسك بالكفر وخروجك عن الجماعة ثم تب فإن شهد وإلا قتله فأتاه رجل من خثعم فقال : اشهد على نفسك بالكفر فقال : إن كنت عبدت ربي ثمانين سنة ثم اشهد على نفسي بالكفر لبئس العبد أنا والله ما بقي من عمري إلا ظمىء حمار وإنني أنتظر الموت صباحا ومساءا فأمر به فضرب عنقه وقدم بعده شيخ فقال الحجاج : ما أظن الشيخ يشهد على نفسه بالكفر فقال : يا حجاج أخادعي أنت عن نفسي أنا أعرف بها منك وأني لأكفر من فرعون وهامان فضحك الحجاج وخلى سبيله فانظر إلى ضعف إيمانه كيف ارتكب هذا القبح بعدما جاوز حد الشباب الذي ليس بعده إلا انتظار الموت صباحا ومساء من إقراره بالكفر مع غاية شيبه ومن لم تتداركه العناية الأزلية لم يجىء منه شيء.
فعلى السالك أن يطمئن قلبه بالإيمان ويجتهد إلى أن يصل إلى قوة اليقين ومن قوة اليقين التوحيد وهو أن يرى الأشياء كلها من مسبب الأسباب ويرى الوسائط مسخرة لحكمه ولا ريب أن قوة اليقين بتصفية القلب عن كدورات النفس.
واك آفريدت بهش باش اك
كه ننكست نا اك رفتن بخاك
ياي بيفشان از آيينه كرد
كه صيقل نكيرد ونكار خورد
وجلاء القلب إنما يحصل بذكر الله وتلاوة القرآن والصلاة على النبي عليه السلام وخير الأذكار كلمة التوحيد وهي العروة الوثقى ، قال إبراهيم الخواص قدس سره : دواء القلب خمسة : تلاوة القرآن بالتدبر ، وخلاء البطن ، وقيام الليل ، والتضرع إلى الله تعالى عند السحر ، ومجالسة الصالحين.
فعليك بالمواظبة لهذه الخصال لعلك تصل إلى التزكية ودرجة الكمال بعون الله الملك العزيز المتعال.
جزء : 2 رقم الصفحة : 91