﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ تذكير ببعض ما أفادهم التوكل.
وبدر بئر ماء بين مكة والمدينة حافرها رجل اسمه بدر فسمي به وكانت وقعة بدر في السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة ﴿وأنتم أذلة﴾ حال من الضمير جمع ذليل وإنما قال أذلة ولم يقل ذلائل بجمع الكثرة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلا وذلتهم ما كان بهم من ضعف الحال وقلة السلاح والمال والمركوب وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد وما كان معهم إلا فرس واحد للمقداد بن الأسود وهو أول من قاتل على فرس في سبيل الله وتسعون بعيرا وست أدرع وثمانية سيوف وقلتهم أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، ستة وسبعون من المهاجرين وبقيتهم من الأنصار وكان عدوهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس والشكة والشوكة وكان صاحب راية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة رضي الله عنه ﴿فاتقوا الله﴾ في الثبات مع رسوله كم اتقيتم يومئذ ﴿لعلكم تشكرون﴾ أي راجين أن تشكروا بما ينعم به عليكم بتقواكم من النصرة ﴿إذ تقول﴾ ظرف لنصركم وقت قولك ﴿للمؤمنين﴾ حين أظهروا العجز عن المقاتلة ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالاف من الملائكة﴾ الكفاية سد الخلة والقيام بالأمر.
والإمداد إعانة الجيش بالجيش والمعنى إنكار عدم كفاية الإمداد بذلك المقدار ونفيه وكلمة أن للاشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لضعفهم وقلتهم وقوة العدو وكثرته ﴿منزلين﴾ أي حال كونهم نازلين من السماء بإذنه تعالى.
قيل : أمدهم الله أولا بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم خمسة وإنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة للتقوى قلوبهم ويعزموا على الثبات ويتقووا بنصر الله.
﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد أن وتحقيق له أي بلى يكفيكم ذلك ثم وعدهم الزيادة بشرط الصبر والتقوى حثا لهم عليهما وتقوية لقلوبهم فقال : ﴿إن تصبروا﴾ على لقاء العدو ومناهضتهم ﴿وتتقوا﴾ معصية الله ومخالفة نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ويأتوكم﴾ أي إن يجيئكم المشركون ﴿من فورهم هاذا﴾ أي من ساعتهم هذه ﴿يمددكم ربكم بخمسة ءالاف من الملائكة﴾ في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم يريد أن الله يعجل نصرتكم ويسهل فتحكم إن صبرتم واتقيتم ﴿مسومين﴾ من التسويم الذي هو إظهار سيما الشيء أي معلمين أنفسهم أو خيلهم في أذنابها ونواصيها بالصوف الأبيض قال عليه السلام لأصحابه : "تسوموا فإن الملائكة قد تسومت".
جزء : 2 رقم الصفحة : 89
روي أن الملائكة كانوا بعمائم بيض إلا جبريل عليه السلام فإنه كان
90
بعمامة صفراء على مثال الزبير بن العوام ونزلوا على الخيل البلق موافقة لفرس المقداد وإكراما له.
جزء : 2 رقم الصفحة : 89
﴿وما جعله الله﴾ عطف على مقدر أي فأمدكم به وما جعل الله ذلك الإمداد بإنزال الملائكة عيانا بشيء من الأشياء ﴿إلا بشرى لكم﴾ بأنكم تنصرون ﴿ولتطماان قلوبكم به﴾ أي بالإمداد وتسكن إليه من الخوف كما كانت السكينة لبني إسرائيل ﴿وما النصر إلا﴾ كائن ﴿من عند الله﴾ لا من العدة والعدد وهو تنبيه على إنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد وإنما أمدهم بشارة لهم وربطا على قلوبهم من حيث أن نظر العامة إلى الأسباب أكثر فينبغي للمؤمن أن لا يركن إلى شيء من ذلك فإن ترتيب النصر عليها ليس إلا بطريق جري العادة ﴿العزيز﴾ الذي لا يغالب في حكمه وقضيته ﴿الحكيم﴾ الذي يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
جزء : 2 رقم الصفحة : 91