﴿إذ همت﴾ بدل من إذ غدوت مبين لما هو المقصود بالتذكير.
والهم تعلق الخاطر بماله قدر ﴿طآئفتان منكم﴾ أيها المؤمنون وهما بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس ﴿أن تفشلا﴾ أي بأن تجبنا وتضعفا وترجعا لظنهما الصواب فيه.
والفشل الضعف والظاهر أن همهما ليس بمعنى العزم والقصد المصمم وإنما هو خطرات وحديث نفس كما لا تخلو النفس عند الشدائد من بعض الهلع ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه ﴿والله وليهما﴾ أي عاصمهما من اتباع تلك الخطرات والجملة اعتراض ﴿وعلى الله﴾ وحده دون ما عداه مطلقا استقلالا واشتراكا ﴿فليتوكل المؤمنون﴾ في جميع أمورهم فإنه حسبهم وفيه إشعار بأن وصف الإيمان من دواعي التوكل وموجباته والتوكل الاعتماد على الغير وإظهار العجز.
جزء : 2 رقم الصفحة : 89
قال الإمام : وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي أن يدفع الإنسان ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل.
قال سهل بن عبد الله التستري : جملة العلوم أدنى باب من التعبد وجملة التعبد أدنى باب من الورع وجملة الورع أدنى باب من الزهد وجملة الزهد أدنى باب من التوكل.
وقال أيضا علامة المتوكل ثلاث لا يسأل ولا يرد ولا يحبس.
وكان إبراهيم الخواص رحمه الله مجردا في التوكل وكان لا يفارقه إبرة وخيوط وركوة ومقراض فقيل له : يا أبا إسحق لم تحمل هذا وأنت ممتنع من كل شيء؟ فقال : مثل هذا لا ينقص التوكل لأنعلينا فرائض والفقير لا يكون عليه غير ثوب واحد فربما يتمزق ثوبه فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلاته.
قال أبو حمزة الخراساني حججت سنة من السنين فبينما أنا أمشي في الطريق إذ وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث فقلت : لا والله لا أستغيث فما استتممت هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان فقال أحدهما للآخر : تعال حتى نسد رأس هذه البئر لئلا يقع فيها أحد فأتوا بقصب وطمسوا البئر فهممت أن أصيح ثم قلت في نفسي أشكو إلى من هو أقرب منهما فسكت فبينما أنا بعد ساعة إذ أنا بشيء قد جاء وكشف عن رأس البئر وأدخل رجله وكأنه يقول لي : تعلق بي في هينمة له كنت أعرف ذلك منها فتعلقت به فأخرجني فإذا هو سبع فمر وهتف بي هاتف يا أبا حمزة أليس هذا أحسن؟ نجيناك من التلف بالتلف فمشيت.
قال بعضهم : من وقع في ميدان التفويض يزف إليه المراد كما تزف العروس إلى أهلها ، ولما زج بإبراهيم عليه السلام في المنجنيق وأتاه جبريل فقال : ألك حاجة؟ قال : إما إليك فلا وإما إلى الله فبلى قال : سله قال : حسبي من سؤالي علمه بحالي وقد
89
قال نبينا عليه السلام : "يقول الله تعالى فمن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين" فعلى السالك أن يتوكل على الله ويفوض أمره إليه فإن كل ما قضى وقدر لا يرد ألبتة وإن تعدت نفسك في ذلك.
قضا كشتى آنجا كه خواهد برد
وكرنا خدا جامه برتن درد
يكفيك علم الله بحالك فاقطع نظرك عن الأسباب والفتح ليس إلا من مفتح الأبواب.
مكن سعديا ديده بردست كس
كه بخشنده برورد كارست وبس
اكر حق رستي زدرها بسست
كه كروى بداند نخواند كسست
جزء : 2 رقم الصفحة : 89